معركة الصوت العالي وأدوات قمعه

30 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

أين كنده الخطيب؟ الشابة التي عرفت بتغريداتها الناقدة للنظام اللبناني، ولحزب الله بشكل خاص. لم تكن تقدّم أي عنصرٍ يميزها عن مئاتٍ غيرها ينتقدون التركيبة المتهاوية في لبنان وأذرعها، كما أنها ليست أبرزهم. تم إيقاف الشابة في يونيو/ حزيران الماضي على خلفية نشر تغريدات ناقدة، وما قيل عن إعادة نشرها تغريدة للمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي. لا نعرف الكثير عن وضعها اليوم، بعدما باتت المتابعة الإعلامية لحالتها شبه معدومة.

منذ توقيفها، تحولت سيرة الشابة إلى فيلم تشويق سينمائي جديد، بعد فيلم اعتقال الممثل الكوميدي، زياد عيتاني، بناء على تلفيقات شغلت الإعلام اللبناني شهورا. هل الفيلم الجديد إعادة أم أنه حلقة جديدة أكثر صراحةً في الترهيب الذي بات يطبع المجال العام في بلدٍ كان يعتبر مساحة لحرية الرأي؟ في البداية، تم توقيف الناشطة بناء على ما قيل إنها تغريداتٌ لها أزعجت بعضهم، إلا أن التهمة الموجهة من القضاء العسكري حوّلت القضية إلى تعامل مع إسرائيل وزيارة أراضي العدو. قبل أن تعلن التهمة رسميا، تسابقت منصّات التشهير في لعبة المصادر والتحليلات. ومنها، على سبيل المثال، تداول فيلم فيديو ينسب إليها، وتقول فيه إنها زارت القدس، أو رواية إنها تواصلت مع صحافي إسرائيلي عبر "تويتر". قبلها، تبارت بعض وسائل إعلام ومحللوها في ترسيم معالم العمالة المزعومة لعيتاني. تحوّل مسلسل علاقته الافتراضية بعميلة إسرائيلية إلى حلقات مشوقة، يتم فيها تشويه سمعة المتهم، في حين تساق دروس وتحليلات حول العمالة وداء الإصابة بها. اليوم يتعرّض عيتاني لملاحقة جديدة، انتقاما لعدم صمته على الاضطهاد الذي تعرّض له. تُساق هذه الحملات في حين تم إجلاء عامر فاخوري، أحد أبرز عملاء إسرائيل من دون أدنى شك، إلى الولايات المتحدة بطائرة خاصة، ما أدّى إلى إسقاط محاكمته بتهم العمالة وتعذيب الموقوفين في سجن الخيام أيام الاحتلال الإسرائيلي جنوب لبنان.

أبرز أدوات الرقابة وأكثرها فاعليةً هي عمليات الإسكات التي يتولاها أفراد عاديون بحق من يعبر عن آراء غير مقبولة

أين كنده الخطيب اليوم؟ عقدت الجلسة الأخيرة في محاكمتها من دون حضورها، وتأجلت بسبب "عدم سوقها"، كما ذكرت الرواية نفسها التي كرّرها الإعلام، من دون أن يحاول أحدهم أن يسأل عن سبب عدم حضورها. في خضم الأزمات اللامتناهية في لبنان، والتوقيفات المتلاحقة لصحافيين وناشطين، هل تتحوّل كنده الخطيب إلى منسية في السجون، بتهم غير مثبتة، في حين تلوك قضيتها وتشوه سمعتها مواقع وألسنة التشهير الإلكترونية؟ 

يتجه المشهد في لبنان الى "مصرنة" في التعاطي مع الشأن العام، والقصد مشهد التقييد شبه الشامل في ظل الحكم العسكري في مصر ما بعد ثورة يناير. منصّة "تويتر" باتت المصدر الأبرز لترويج شائعاتٍ بشكل "أخبار" موجهة بشكل خاص ضد ناشطات عاليات الصوت في التعبير على منصّات التواصل الإلكترونية. الصحافية لونا صفوان واجهت حملات تشهير بعدما نشرت تغريدة انتقدت فيها حزب الله، ونقلتها محطة إسرائيلية. مطلق الحملة صحافي وجد في تعليق المحطة الإسرائيلية فرصة للايحاء بعمالةٍ مزعومةٍ للصحافية، ما فتح عليها أبواب جهنم في مواقع التواصل من جمهور الصحافي. في الوقت نفسه، انطلقت حملةٌ جديدةٌ تستهدف صحافية أخرى، محاسن مرسل، أطلقتها تغريدة لصحافية في محطة أخرى تنبئ بأن الأخيرة سوف تتهم بالعمالة، وردّت مرسل باللجوء إلى القضاء. تواجه الإعلامية، ديما صادق، خمس دعاوى قضائية من مسؤولين رفيعي المستوى، بتهم مثل نشر الفتنة، في حين تتعرّض لحملات تشهير مسعورة على مواقع التواصل.

يتمدّد نموذج "المصرنة" في العالم العربي، بما في ذلك تونس الديمقراطية، حيث قانون زجر الاعتداء على القوات المسلحة يعتبر عودة إلى مرحلة تكميم الأفواه

في لبنان، تحوّلت التهمة بالعمالة إلى ما يشبه تهمة "الانتماء إلى جماعة محظورة" التي يغدقها القضاء المصري على معارضي النظام في السجون أو خارجها. عمليات التشويه لا تأتي فحسب من قرارات القضاء الجائرة، أو الاعتقالات الاعتباطية، بل تتنبأ بها وتديرها مواقع إعلامية وأبواق تقدّم نفسها صحافية، لتشويه سمعة الضحية المفترضة، وعزلها أخلاقيا أولا، ثم مهنيا. 

تقول الباحثة النسوية والمنظرة، جوديث باتلر، إن أبرز أدوات الرقابة وأكثرها فاعليةً هي عمليات الإسكات التي يتولاها أفراد عاديون بحق من يعبر عن آراء غير مقبولة، عبر نزع المشروعية الأخلاقية والحق بالمواطنة، ممن يرغب في إسكاته من دون حاجةٍ لتدخل النظام نفسه مباشرة. تسفر هذه العملية عن نوعين من المواطنين: من يملك صوتا ومن وجب عليه الصمت. تضع تهم العمالة أو الانحلال الأخلاقي المتهم أو الملاحق والمتعاطفين معه في موقعٍ ملتبس. تضع هذه الاتهامات الشخص المعني في عزلة اجتماعية، إذ لا ترغب الغالبية العظمى بالتعاطي معه عن اقتناع أو خوف من إمكانية التورّط في ملاحقة ما. 

يتواجه القمع ومقاومته في معركةٍ تبدو أميل لصالح القمع، ولن تكون محسومة له

يتمدّد نموذج "المصرنة" في العالم العربي، بما في ذلك تونس الديمقراطية، حيث قانون زجر الاعتداء على القوات المسلحة يعتبر عودة إلى مرحلة تكميم الأفواه التي طبعت نظام بن علي، عبر ضمان حماية فوق العادة للمؤسسة الأمنية للإفلات من العقاب، في وقتٍ يطلب إصلاح المنظومة من علل النظام السابق. ولعل هذا التمدّد، بما يشمل لبنان الذي كان يعد، حقيقة أم وهما، منارة لحرية التعبير في عالم عربي مظلم، مرتبط بجرأة غير مسبوقة في الأصوات الناقدة، وفي تعبيراتها الخلاقة التي باتت تمسّ مباشرة الخطوط الحمراء التقليدية، حتى في أكثر البيئات تقييدا، بما في ذلك مصر أو السعودية.

في حين احتفل الحراك الشعبي اللبناني بمضي عام على ولادته في ظروف قاسية، وتحتفل الثورات العربية بعقدها الأول قريبا لثورة الياسمين في تونس أولا، يتواجه القمع ومقاومته في معركةٍ تبدو تميل لصالح الأول، في حين أنها لن تكون محسومة له، أقله في المستقبل القريب.