مصر في جلسة للكونغرس

21 سبتمبر 2020
الصورة
+ الخط -

عقدت إحدى لجان مجلس النواب الأميركي الفرعية المعنية بالشرق الأوسط، في التاسع من شهر سبتمبر/ أيلول الحالي، جلسة استماع عن أحدث توجهات أوضاع حقوق الإنسان والاقتصاد والسياسة في مصر، وقد شهدت الجلسة حضورا جيدا لأعضاء مجلس النواب، خصوصا في أوساط نواب الحزب الديمقراطي، ومشاركةٍ من عدد من أبرز الباحثين الأميركيين المعنين بمصر، وكذلك مشاركة ناشطين مصريين، وهما محمد سلطان ومدير مركز القاهرة لحقوق الإنسان، بهي الدين حسن. ولعل أهمية الجلسة تكمن فيما شهدته من نقاش جاد في الأوضاع السياسية في مصر، وواقع العلاقات المصرية الأميركية، وما وصلت إليه ومستقبلها، وهو نقاش يستحق الرصد بموضوعية ودقة، كما يسعى إليه المقال.
أولا: كشفت الجلسة عن مدى تردّي صورة مصر وأوضاعها السياسية داخل واشنطن، حيث بدا من شهادات مختلف الخبراء والناشطين مدى استيائهم من تردّي أوضاع حقوق الإنسان في مصر، وانغلاق الأفق السياسي، وتوغل الجيش في الاقتصاد والسياسة، وكيف وصلت الأوضاع السياسية إلى تدهور وتردٍّ وصفته شهادات كثيرة بأنه "غير مسبوق". 
تحدث بهي الدين حسن، في شهادته، عن العلاقة بين النظام ونشطاء حقوق الإنسان، وكيف باتت تقوم على "العنف والإخفاء والاعتقال"، وكيف يتم ترقية ضباط متهمين بالتعذيب وإعلاميين مسؤولين عن تشويه سمعة نشطاء حقوق الإنسان وتهديدهم، وكيف اضطر للخروج من مصر خوفا على حياته، بعد أن وصلت إليه تهديدات بالقتل. وتحدّث محمد سلطان عن ظروف اعتقاله، واعتقال آلاف في سجون لا تصلح لحياة الحيوانات، كما ذكر، وعن آثار التعذيب التي ما زالت ظاهرة على جسده، وعن الانتقام من أقاربه في مصر واعتقال بعضهم، بسبب القضية التي رفعها ضد رئيس الوزراء المصري السابق حازم الببلاوي. أما الباحثة ميشيل دن، كبيرة الباحثين في مركز كارنيجي، فقد تحدثت عن المليارات التي أنفقها النظام المصري خلال السنوات الأخيرة على مشروع العاصمة الإدارية الجديدة وشراء الأسلحة، في الوقت الذي يستدين فيه باستمرار من الخارج. حيث ذكرت الباحثة أن النظام المصري أنفق تسعة مليارات دولار على العاصمة الجديدة حتى ربيع عام 2019، كما أنفق تسعة مليارات دولار أخرى على استيراد الأسلحة من 2015 إلى 2019 . بالإضافة إلى الأسلحة التي يحصل عليها من أميركا (بقيمة 1.3 مليار دولار سنويا). في وقتٍ اقترضت فيه مصر 20 مليار دولار من صندوق النقد الدولي وحده منذ 2016.

تحدث بهي الدين حسن، في شهادته، عن العلاقة بين النظام ونشطاء حقوق الإنسان، وكيف باتت تقوم على "العنف والإخفاء والاعتقال"

ولم تتضمّن الشهادات، أو أسئلة أعضاء الكونغرس وتعليقاتهم، تعاطفا يذكر مع النظام في مصر، أو حديثا عن إصلاحات وهمية أو تدريجية، يقوم بها النظام كما كان في عهد حسني مبارك، لذا كشفت الجلسة بوضوح عن مدى الانقطاع والتردّي الذي تعيشه صورة مصر وسمعتها في واشنطن في عهد عبد الفتاح السيسي.
ثانيا: كشفت الجلسة أيضا عن مدى التناقض الذي بُنيت عليه السياسة الخارجية تجاه مصر، وكيف يضر بالعلاقة بين البلدين، فمصالح أميركا في مصر تتعارض بشكل كبير مع قيمها. أميركا مشغولةٌ بالأساس بحماية إسرائيل، والاستقرار في المنطقة (استقرار الديكتاتوريات وتدفق النفط)، وتريد من مصر أن تلعب دورا إيجابيا في دعم التطبيع مع إسرائيل وضمان استقرار النظم القائمة. وتتعارض تلك المصالح بوضوح مع قيم من قبيل نشر الديمقراطية والحريات، وهي قيم تتعامى عنها أميركا بشكل كبير في ما يتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني، وتناصرها باستحياء، وعلى فترات متقطعة في دول عربية أخرى، كما حدث في مصر في أواخر عهد مبارك. لذا بدت مطالب الشهود جميعا متواضعة، خصوصا بعد تخلّي إدارة ترامب عن سياسة نشر الديمقراطية والحريات، وتقرّبها من الديكتاتوريات، وانخفض سقف مطالب الشهود والخبراء بشكل واضح، واقتصرت على الحد الأدنى، كالمطالبة بالعودة للحديث عن حقوق الإنسان، وعدم الإفراط في التنازل عن القيم الأميركية، حين التعامل مع الحكومة المصرية وإدراك أن الاستبداد ينشر الراديكالية والتطرّف، ويزرع بذور عدم الاستقرار، وهي مطالب تبدو أولية، وتظل أملا بعيدا لو استمرّت إدارة ترامب في الحكم لدورة مقبلة.

كشفت الجلسة عن التناقض الذي بُنيت عليه السياسة الخارجية تجاه مصر، وكيف يضر بالعلاقة بين البلدين، فمصالح أميركا في مصر تتعارض بشكل كبير مع قيمها

ثالثا: لا يعني ما سبق أن العلاقات المصرية الأميركية مزدهرةً أو قوية، فعلى النقيض أكد مختلف الشهود أن تلك العلاقة في تراجع، لأسباب أميركية ومصرية على حد سواء، فأميركا ترى العلاقة من منظور مصالحها بالأساس، وفي مقدمتها إسرائيل، وضمان استقرار المنطقة. وفي الحالتين، لم تعد مصر دولة قيادية أو رئيسية إقليميا. وهنا قال النائب الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا، براد شيرمان، إن أميركا دفعت مليارات، منذ نهاية السبعينيات، للحفاظ على السلام بين مصر وإسرائيل، وهي فكرة لم تعد مقبولة أخيرا، خصوصا بعد تطبيع دول عربية، كالإمارات، علاقتها مع إسرائيل من دون مقابل. كما تحدّث شهود آخرون عن تبعية مصر للإمارات في أكثر من ملف إقليمي، وكيف باتت دولة تابعة داخل المحور السعودي الإماراتي. وهذا يعني أن دور مصر وقيمتها في المنطقة، وأهميتها في السياسة الأميركية، في انحسار. أضف إلى ذلك حقيقة تراجع الدور الأميركي نفسه في المنطقة، وسعى أميركا إلى التخلص من أعباء سياساتها في المنطقة.
كما تحدّث الباحث في معهد هدسن للأبحاث، صموئيل تادروس، عن رؤية النظام المصري نفسه لتحالفه مع الولايات المتحدة باعتبار ذلك أحد أسباب ضعف العلاقة بين البلدين، فالنظام المذكور لا ينظر إلى العلاقة بين مصر وأميركا أنها بين دولتين وشعبين، وإنما بالأساس علاقة بينه وبين والولايات المتحدة. وهذا يعني أنه لا يبني علاقةً بين مؤسسات الدولتين، ولا تحالفا وثيقا، وأن كل ما يعنيه أن يستخدم تلك العلاقة لتقوية قبضته على الحكم واستقراره. لذا تحدّث تادروس عن تعمد النظام المصري نفسه تشويه صورة الولايات المتحدة في إعلامه، والحديث عن صراعات وهمية مع أميركا، واستخدام تلك الصراعات في تحسين صورته داخلية، وهو ما يؤدي إلى نشر مشاعر الرفض والاستياء تجاه أميركا وسط المصريين، على الرغم من تحالف البلدين منذ أكثر من أربعين عاما. باختصار، لا يبحث النظام في مصر عن تحالفٍ بين بلدين، ولا ينشغل إلا بتقوية نفسه بعيدا عن المؤسسات ومصالح الطرفين. لذا تحدّث بعض النواب عن مساعي مصر إلى تقوية علاقاتها بروسيا، واستيراد بعض الأسلحة منها، وكيف يمكن أن تعرّض مصر لعقوبات لو تمت.

النظام المصري لا ينظر إلى العلاقة مع أميركا أنها بين دولتين وشعبين، وإنما علاقة بينه وبين والولايات المتحدة

لذا تبدو العلاقات المصرية الأميركية مرشّحة للتغيير في الفترة المقبلة، خصوصا لو صعدت إلى الحكم إدارات ديمقراطية، فصورة مصر في واشنطن سيئة للغاية، وقيمة مصر بالنسبة للولايات المتحدة في المنطقة في تراجع، واهتمام أميركا نفسه بالمنطقة في تراجع، وهناك صعود واضح لتوجه ديمقراطي حقوقي في أوساط الحزب الديمقراطي، والذي يسيطر على مجلس النواب الأميركي حاليا، وسيطر ممثلوه على الجلسة، وبدا واضحا من مداخلاتهم وعيهم بالحالة المتردّية التي وصلت إليها أوضاع حقوق الإنسان والأوضاع السياسية في مصر ومدى تعاطفهم مع معاناة الناشطين المصريين ورفضهم النظام المصري القائم.
ولا يعني هذا خروج سياسة أميركا تجاه مصر من تناقضها الرئيسي، المتعلق بالدوران في فلك حماية إسرائيل، وضمان أمن الديكتاتوريات العربية، سريعا. إنما يعني دخول السياسة الأميركية تجاه مصر مرحلةً من إعادة التقييم، تهيمن عليها النظرة السلبية تجاه مصر ومحاولة التخلص من التبعات السلبية للعلاقة معها، وهي مرحلةٌ بدأت بالفعل.