مريم الغارقة في دمائها

مريم الغارقة في دمائها

20 ديسمبر 2021
+ الخط -

يأبى هذا العام الثقيل أن يغادرنا إلّا مضرجاً دامياً. الضحية هذه المرّة، مثل معظم المرّات، أنثى جرى الغدر بها ومصادرة روحها عن سابق إصرار وترصّد. مريم محمد فتاة سورية من سكان جبل الأشرفية في عمّان، عشرينية جميلة ومهذّبة مستقلة وطموحة، تدرس وتعمل وتكدّ في الحياة، كي تؤمّن لنفسها مستقبلاً أفضل. ذنبها الوحيد أنّها رفضت الزواج من شابّ صاحب سوابق جنائية، منها الإيذاء والذمّ والتهديد وحمل السلاح. تقدّم لخطبتها أكثر من مرة، لكنّها لم توافق على الاقتران به. وكان قد تعرّض لها مراراً بالذمّ والقدح، بل أقدم ذات يوم على طعن يدها وسرقة هاتفها الجوّال، كما حاول اختطافها في وضح النهار، ودهس والدها، وظلّ يلاحقها بالتهديد والمضايقة عامين. تقدّمت إلى الجهات الأمنية المختصة ببلاغ تم حفظه من دون اتخاذ أيّ إجراء، مثل أخذ تعهد على المشتَكى عليه بعدم التعرّض للمشتكية. وكان يمكن لإجراء كهذا أن يلجم المجرم، ويضع حدّاً لمعاناتها الطويلة، عوضاً عن النهاية المأساوية الصادمة، حين ترصّد بها في طريق عودتها من صالون التجميل الذي تعمل فيه، فدفعت حياتها ثمناً لوحشية مجرمٍ خسيس، ظلّ طليقاً ومتمكّناً من إيقاع الأذى بها. 
عثرت الأجهزة الأمنية على جثتها، مقتولة بخمس عشرة طعنة في الظهر والصدر والرقبة والكتف، ملقاةً على الأرض وملطخة بالدماء، بالقرب من  موقف للحافلات العامة، ليس بعيداً عن مكان سكناها. وكان القاتل قد توارى عن الأنظار بعد ارتكاب جريمته، غير أنّه تم القبض عليه، وبوشر بالتحقيق معه، تمهيداً لإحالته إلى القضاء. وفي حوار متلفز مع الوالد المكلوم، سرد وقائع مؤلمة عن قصة القاتل الذي أراد الزواج من ابنته بالإكراه والقوة، تطبيقاً للمثل الشعبي الأردني: "جوزك ون راد الله" متوهماً أنّه يعيش في غابة، حيث القوي يفرض شروطه مهما كانت مجحفة. وأكد الوالد أنّه لن يرضخ لأيّ ضغوط متوقعة، كي يسقط الحق الشخصي، وهو عازم على تحقيق العدالة لابنته المغدورة، والاقتصاص من المجرم القاتل. وقد هزّت الجريمة النكراء الشارع الأردني الذي سارع إلى إدانه القاتل، والمطالبة بايقاع أقصى عقوبة ممكنة عليه.
استغلّ بعضهم من ذوي التفكير المحدود القصة في محاولة لبث الفتنة، كون الضحية سورية الجنسية، لكنّهم لم يتنبهوا إلى أنّ والد الفتاة قال إنّه مقيم في الأردن منذ أكثر من 35 عاماً، واسمه ليس مدرجاً ضمن قوائم اللاجئين، ما يدحض حكايتهم الركيكة، ومحاولتهم المكشوفة لتشويه الحقائق عن واقع اللجوء السوري في الأردن، ففشلوا بشكل ذريع في العزف على  موّال العنصرية الممجوج. وجاءت ردّة فعل الشارع الأردني، من أفراد ومؤسسات حقوقية، غاضباً ومندّداً،  لتأكيد بطلان هذا الطرح المسموم غير البريء، ولتصرّ على حق ضحيتنا مريم الذي لن يضيع، فالقضاء في الأردن مشهودٌ له بالعدالة والنزاهة، يقف الجميع أمامه سواء، فيأخذ صاحب الحق حقّه غير منقوص، وينال المجرم جزاءه، بغض النظر عن أصله وفصله. وتصل عقوبة القتل العمد في قانون العقوبات الأردني إلى الإعدام، إذا ما توفرت أركانها المادية والمعنوية. وتتمثل عناصر الركن المعنوي في العلم والإرادة، بمعنى علم الجاني بنتيجه فعلته، وتوفر الإرادة للقيام بالجريمة. نحن إذاً، بصدد جريمة قتل عمد واضحة لا لبس فيها. لذلك، الأمل معقود أن تأخذ العدالة مجراها، كون جريمة القتل لا تمسّ الإنسان فرداً، بل تمسّ المجتمع بأكمله، لناحية الانتهاك والتعدّي على روح إنسان والتسبب في موته، ما يعرّض أمن المجتمع واستقراره للخطر.
الرحمة لروح مريم، الصبية التي راحت غيلة وغدراً، وعميق العزاء لعائلتها في مصابها الكبير، والعقاب المشدد للقاتل المجرم تحقيقاً لعدالة الأرض والسماء.