مذكّرات جلود: تفصيلات مهمة وأسئلة مفتوحة

مذكّرات جلود: تفصيلات مهمة وأسئلة مفتوحة

25 يناير 2022
+ الخط -

صدر أخيرا كتاب مذكرات الرائد عبد السلام جلود "الملحمة"، عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات؛ ونشرت صحيفة "العربي الجديد" حلقات منها، وهي تبحث بالتفصيل في مقدمات سلطة معمر القذافي وتطوراتها ومآلاتها، وهي السلطة التي استمرت أكثر من أربعين عاما، وبدأت ثورية شعبية قومية، وانتهت استبدادية، قبلية عائلية، بعد أن فتك القذافي بأقرب المقرّبين منه، وخلخل المجتمع الليبي؛ وبدّد ثروات ليبيا.
وما زال المجتمع الليبي، وبعد مرور أكثر من عقد على إسقاط القذافي، منقسماً على ذاته، يبحث عن المخرج الذي يبدو أن الوصول إليه صعب المنال، نتيجة الصراع بين المتنافسين والمستفيدين من الأوضاع الاستثنائية، والتباينات الجهوية، وحتى القبلية؛ هذا إلى جانب التدخلات الإقليمية والدولية التي تجذبها ثروات ليبيا، ومساحتها الواسعة، وساحلها المتميز، وإمكاناتها الواعدة على أكثر من صعيد، إلى جانب أهميتها الجيوسياسية؛ فكل هذه العوامل، وربما غيرها، تحدّ من إمكانية وصول الليبيين إلى توافقات تكون في مصلحتهم جميعاً، سواء في الغرب أم الشرق أو في الجنوب، وتضع حدّاً للتهميش والاضطهاد اللذين تعرّضت لهما مناطق معينة، مثل غدامس، ومناطق جبل نفوسة مثل: غريان ويفرن وجادو وزوارة، وكذلك مناطق الجنوب الليبي.
الموضوع الذي أثار انتباهي في مذكرات عبد السلام جلود أكثر من غيره هو الخاص بالوضع الداخلي الليبي، والخلافات البينية التي كانت ضمن السلطة الليبية، وحرص القذافي على إبعاد خصومه الواقعيين والمتخيلين، وحصر كل السلطات بيده. ولافت أن جلود يتناول بالتفصيل إصرار معمر القذافي على رفض كل مبادرات التغيير والإصلاح واقتراحاتها، أو إفراغها من محتواها. كما يشير إلى حرصه على إشغال الليبيين بقرارات فجائية، وتغييرات عبثية، وقضايا ثانوية تدفع بهم نحو الشعور بعدم الاستقرار، ما كان يحول بينهم وبين التركيز على ما هو أساسي بالنسبة لمستقبلهم ومستقبل أبنائهم وأحفادهم.

لماذا أبقى القذافي على جلود؟ سؤال كبير يثير تساؤلات فرعية كثيرة. هل هو الاحترام؟ أم الحسابات القبلية؟

ومبعث هذا الاهتمام أنني عشت في ليبيا قبل نحو ثلاثين عاماً، حيث درّست بداية في جامعة سبها خلال العام الدراسي 1991 - 1992، والتقيت بأشخاص عديدين داخل الجامعة وخارجها، وأخذت من خلالهم فكرة عن المعاناة التي كان الليبيون يعيشونها، لا سيما من جهة الفوضى والمحسوبيات، والتوجس من المستقبل. وغالباً ما كانت الأحاديث مشفّرة عامة. وذلك تحسباً لعيون "اللجان الثورية" وآذانها، وغيرها من الأجهزة المرتبطة بالقذافي مباشرة، والتي كانت تراقب سكنات الليبيين وحركاتهم وتبطش بهم، وهو ما يتناوله جلود بإسهاب.
وخلال عملي في جامعة سبها، كلفني قسم الفلسفة، الذي كان يسمّى في ذلك الحين قسم التفسير، بالإشراف على رحلة لطلبة القسم إلى جامعة عمر المختار في مدينة البيضاء، وكان ذلك في فبراير/ شباط 1992، وهي رحلة ما زالت تفاصيلها الجميلة في الذاكرة. كانت مناسبة لا تُقدَّر للتعرف على تطلعات الطلبة ومعاناتهم، وغالباً ما كانت الأحاديث بلغة إيحائية غير مباشرة تحسباً لما لا تُحمد عقباه. كما استمتعت في أيام الرحلة العشرة باستطلاع الجغرافية الليبية الواسعة المتنوعة الجميلة، خصوصا في منطقة الجبل الأخضر. غادرنا سبها والشمس الصحراوية ساطعة دافئة، مررنا بودان، ونمنا ليلة في سرت، ثم مررنا ببنغازي في طريقنا نحو البيضاء، التي استقبلتنا بالثلج الأبيض الذي ولّد فرحة لا توصف لدى طلبتنا أبناء الصحراء وبناتها.
استقبلونا في الجامعة بود وترحاب. ووضعوا لنا برنامجا يوميا، فكنا نزور مناطق الجبل الشرقي الرائعة. زرنا شحات، حيث مقر المدرسة الفلسفية القورينائية، كما زرنا درنة وشلالاتها، ورأس هلال، ووادي الكوف معقل عمر المختار، وسوسة. وكنا نلتقي مع رئيس الجامعة وأساتذتها بصورة شبه يومية في مقر إقامتنا. وأذكر أنه في ليلة، بعد أن غادَرَنا رئيس الجامعة، جاء أحدهم مسرعاً وهو يسأل عنه، قائلاً إن الرائد عبد السلام موجود في البيضاء، ويريد أن يلتقي به؛ الأمر الذي أكّد، بالنسبة لي، صحة كلام بعض الطلبة وبعض الإخوة عن جدّية جلود، وحرصه على متابعة المسائل التي يرى أهميتها بنفسه؛ وهو ما يُلاحظ في مذكراته. كما أذكر جرأة جلود وسلامة منطقه، وقوة حجّته، في مواجهة القذافي، خلال ندوة تلفزيونية مباشرة شاهدتها وأنا في ليبيا، وكانت مخصّصة لمناقشة موضوع توزيع ثروة النفط على الليبيين، وقد ذكر جلّود تفاصيل هذه المناقشات وخلفياتها في مذكّراته. أما لماذا أبقى القذافي على جلود؟ فهذا في حد ذاته سؤال كبير يثير تساؤلات فرعية كثيرة. هل هو الاحترام؟ أم الحسابات القبلية؟ أو نوع من الحنين إلى أيام البراءة الثورية؟ أم أمور أخرى؟

المحيطون بالقذافي أتقنوا اللعبة، ويتصرّفون وفق ما يُطلب منهم، وبما يرتاح إليه "القائد"، وبغض النظر عما إذا توافق ذلك مع قناعاتهم أم لا

وفي العام الدراسي التالي 1992 – 1993، انتقلت إلى جامعة ناصر التي كان مركزها مدينة الخمس، لأدرّس في كلية الآداب والتربية في زليتن. كما كنت أدرّس، في الوقت ذاته، في قسم الفلسفة - كلية الآداب في مصراتة. وشاركت في ندوات ومؤتمرات علمية؛ كما زرت بعض الكليات الجامعية في مدن عدة، منها: طرابلس، ترهونة، الزاوية، غريان، يفرن.
وبناء على معايشتي الوضع الليبي، أود أن أقدم شهادتي حول ما ذكره جلود بخصوص إجادة القذافي الشو (Show)، وقدرته على ترتيب الأمور والأدوار بشكلٍ يُظهر أهميته وأسبقيته في كل شيء، ومن دون أن يعطي موضوع المصداقية أهمية كثيرة، طالما أن المحيطين به قد أتقنوا اللعبة، ويتصرّفون وفق ما يُطلب منهم، وبما يرتاح إليه "القائد"، وبغض النظر عما إذا توافق ذلك مع قناعاتهم أم لا.
لقد طلبوا منا في كلية الآداب والتربية بزليتن، في أحد الأيام، السفر إلى طرابلس لحضور لقاء مع "شخصية ليبية مهمة"، وألزمونا بذلك عبر التوقيع الشخصي. وفي اليوم التالي، توجهنا إلى طرابلس، لنلتقي بأساتذة كثيرين مشاركين في الملتقى، كان عددهم نحو ألف، أو أقل قليلا، حسب تقديري، وقيل إنهم من خمس جامعات. كان وزير التعليم العالي قد سبق الجميع، يسير في مختلف الاتجاهات، وكأنه على موعد مهم. ثم بدأ البرنامج المرتب للملتقى. فأعلن أحد الأشخاص، وقدّم نفسه بوصفه نقيب المعلمين، قائلاً: "تتواصل الآن ندوتنا البحثية". وجلس عدد من الأساتذة على المنصّة، على أساس أنهم يستكملون النقاش، ويتابعون تقديم أوراقهم البحثية. كنت أجلس إلى جانب صديق سوداني كنا ندرّس معاً في زليتن، وإلى جانبي من الجهة الأخرى أستاذ ليبي سألته: ما الذي يجري؟ من سيأتي؟ أجابني بكل ثقة: سيحضر الأخ القائد. ثم أردف: لقد أغلقوا جميع الطرقات، وهذا معناه أنه الذي سيحضر.

ربما تكون شهادة جلود عوناً لليبيين في فهم ما جرى، والاستفادة من الأخطاء التي كانت، ومعرفة طبيعة الجرائم التي حصلت، حتى لا تتكرّر

انتظرنا بعض الوقت. وفجأة، دخل القذافي وسط حرّاسه من النساء والرجال. ساد الارتباك بين المنظّمين أنفسهم. وبعد أن أخذ مكانه، بدأ القذافي حديثه: كنت في المنطقة، وقيل لي إن لدى الأساتذة لقاء في الجامعة، فقلت لأذهب إلى هناك، وأستمع إليهم ونتحدّث. همس صديقي السوداني: ما هذه المسرحية؟!... وبدأ العقيد حديثه الذي امتد ثلاث ساعات تقريباً، كان ينكّت، ويهزأ من الحكام العرب. ثم أردف: أعرف أن بين الحضور بعض الأساتذة من الدول العربية. ونحن في هذا الموقف أمام مشكلة. إذا استبعدناكم عن لقاءاتنا فستقولون لنا: لقد مارستم العنصرية. ولكن إذا دعوناكم إلى الحضور، فإن حكّامكم يغضبون، ويحتجّون ويقولون إننا نعلمكم، ونفتح عيونكم... بدأ بعرض وجهة نظره عن فكرة التشاركيات. وكان رأيه أن مبدأ التشاركية يمكن تطبيقه في جميع الميادين، بدءاً من التعليم والأحوال المدنية، مروراً بمنح إجازات قيادة السيارات والصحة وغير ذلك. واعترض أحد الأساتذة السودانيين بطريقة مهذّبة. قدّم اعتراضه في صيغة تساؤل: كيف يمكن تطبيق فكرة التشاركية في ميدان القضاء؟ تهرّب القذافي من السؤال بنكتة، ومن دون أن يكلف نفسه بمهمة التدقيق وضرورة المراجعة.
ومن بين ما زلت أتذكّره من ذاك اللقاء أن أستاذ الفلسفة الليبي رجب أبو دبوس اعترض بوضوح على كلام القذافي، وناقشه بجرأة قائلا إن تطبيق فكرة التشاركية في ميدان التعليم، لا سيما في التعليم العالي، سيؤدي مع الوقت إلى تمركز الثقافة والثروة لدى مجموعة من الناس، وحرمان الغالبية منها، وهذا أمر سلبي ستكون له تبعات كارثية... ولا أعلم ما إذا كان أبو دبوس يتمتع بهامش من الحرية، أو كان هناك توافق على تبادل الأدوار؛ ولكن الرجل ناقش القذافي بوضوح وجرأة، قائلا في نهاية المطاف: "ترى، أخي العقيد، آنِي مستعد أناقشك من تَوّا لغُدوة الصبح إنو رايك مش صحيح" (ليكن معلوماً لديك، أخي العقيد، أنني مستعد أن أناقشك من الآن حتى غد صباحاً، وأبين أن رأيك مجانب للصواب)... ومرّة أخرى، بادر القذافي إلى إطلاق نكتة ليضحك الجميع ويغيّر الموضوع.
شهادة جلود عن مرحلة مهمة وطويلة نسبياً في تاريخ ليبيا، ساهم هو شخصياً في أحداثها عشرين عاما، واتخذ الموقف النقدي منها، ومن موقع المطّلع الخبير الحريص على تجاوز السلبيات؛ مهمة، خصوصا أنها تأتي بعد مرور أكثر من عقد على سقوط حكم القذافي. ربما تكون هذه الشهادة عوناً لليبيين في فهم ما جرى، والاستفادة من الأخطاء التي كانت، ومعرفة طبيعة الجرائم التي حصلت، حتى لا تتكرّر، ويتجاوز الشعب الليبي العزيز المحنة، ويتمكّن من بناء مجتمعه وعمرانه، ويستمتع بوطنه الجميل، ويتمكّن من تطويره لضمان مستقبلٍ أفضل للأجيال المقبلة.