مائة يوم بدون الإسلاميين في الحكم

مائة يوم بدون الإسلاميين في الحكم

18 يناير 2022
+ الخط -

وضع ميزان مائة يوم للحكم على الحكومات التي تتشكل حديثا معيارا رمزيا في قياس قوتها في إيجاد الفرق بينها وبين سابِقتها. والحكومة الحالية في المغرب، بقيادة رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، أحد أثرياء البلاد وزعيم حزب وسط ليبرالي وُجد أصلا للتوازن السياسي في مرحلة من المراحل، لا تشذ عن القاعدة. وعليه يتم تشغيل هذا التقليد الذي وصل إلى المغرب عبر فرنسا، وإنْ كان يعود في أصله الى سُنَّةٍ سنَّها الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت في ثلاثينيات القرن الماضي، .. في الحكم عليها. وهو تمرين لا صبغة دستورية له، لكنه يؤشر إلى ثابتٍ تعتمده الديمقراطيات في الحكم على المناخ الذي يرافق وجود الحكومة الجديدة. ولا يخرج ذلك عن مسطرةٍ محض تعبيرية في قياس فاعلية رئيس الجهاز التنفيذي الجديد وقوته، بناء على قوة سلفه وكاريزماه. وفي حالة المغرب ثمة سلف مزدوج، الأول عبدالإله بنكيران الذي قاد حزب العدالة والتنمية إلى الحكومة ممتطيا صهوة الربيع العربي في العام 2011. والثاني خلفه سعد الدين العثماني الذي جاء عقب فشل الأول، سنة 2016، في تشكيل حكومة ثانية للإسلاميين برئاسته.
وعليه، قد يكتسي التقليد السياسي الإعلامي نكهة خاصة في المغرب، باعتبار السؤال الذي نختاره هنا ليس: ماذا حقق الرئيس الجديد للحكومة، عزيز أخنوش، تبعا لمقارنته مع السابقين في الأيام المائة التي كانت لحسابهم، بقدر ما يبدو من المناسب، في سياق المرحلة، ونظرا إلى رهانات داخلية وأخرى إقليمية، أن نقول كيف مرت المائة يوم الأولى لحكومة انتخابات 8 سبتمبر/ أيلول الماضي، والتي عرفت هزيمة نكراء للإسلاميين؟ والحجة في اختيار زاوية النظر هاته تكمن في أن سؤالا مضمرا وحذرا ظل يراود النخبة السياسية في المغرب، وفي جواره العربي والشمال أفريقي مفاده: هل هناك حياة ما بعد الإسلاميين، لا تمر بالضرورة عبر عواصف سياسية واحتقانات مستعصية على الحل الذاتي؟ فعندما جرت الانتخابات في سبتمبر/ أيلول الماضي، وجاءت الهزّة الرهيبة التي أطاحت حزب العدالة والتنمية من على كراسي الحكومة، تلعثمت ألسن قيادته، وفقدت قاعدته القدرة على توصيف ما حدث، وبدا الحديث عن الأسباب الذاتية والموضوعية غير قادر على الانسجام.

قواعد "العدالة والتنمية" وجدت نفسها في معارضة بلا أجنحة، وطلبت من الأمين العام القديم الجديد أن "يُفتيها" في طبيعة الهزيمة وطبيعة الرد عليها

وبعد أن مرّت مائة يوم على خروجهم من الحكومة، وصارت المناسبة سانحة لقياس درجات الاختلاف في مسار تشكيل الحكومة من حيث المزاج العام، ومن حيث ردّة فعل الإسلام السياسي على سقوط المهول، وأيضا قدرته على لملمة جراحه .. إلخ إلخ، أول شيء يبدو للرأي العام أن الحضور الشخصي لرئيس الحكومة الحالية برز قويا، لا بقدرة فائقة في التواصل أو القرار، بل مقارنة مع الاهتزاز الذي طبع الحياة السياسية مع خلفه سعد الدين العثماني. كما تشكلت الحكومة من ثلاثة أحزاب فقط، كان تجميعها وحده في تشكيلة ثلاثية ذا مغزى، من حيث تاريخ كل حزب، فهذا الجهاز التنفيذي الذي تأسّس بعد رحيلهم ضم ثلاثة أحزاب، كل منها بتاريخ: حزب الاستقلال الذي يعود تاريخ وجوده إلى عهد الملك محمد الخامس، بوصفه حركة سياسية وطنية عملت معه لأجل استعادة سيادة وطنية هو رمزها. وحزب التجمع الوطني للأحرار، والذي رأى النور في عهد الملك الحسن الثاني، برئاسة صهره أحمد عصمان، وكان وجود الحزب نوعا من التدبير الإداري لتوازنات السياسة في مغربٍ عرف توترا كبيرا بين القصر والمعارضة الوطنية وقتها. وأخيرا حزب الأصالة والمعاصرة، الذي رأى النور مع بداية العهد الجديد مع الملك محمد السادس، وكان وراء تأسيسه مستشار الملك الحالي، فؤاد عالي الهمة.
ثانيا: المحقق أن قواعد "العدالة والتنمية" وجدت نفسها في معارضة بلا أجنحة، وطلبت من الأمين العام القديم الجديد أن "يُفتيها" في طبيعة الهزيمة وطبيعة الرد عليها، ومن ثمة طبيعة المعارضة. ثالثا: أن يختار الحزب لتقوية داخله وتشحيم مكوناته وتجديد خطابه عبد الإله بنكيران الذي قاد الحكومة ما بعد الربيع دليل إرادة العودة إلى "الينابيع"، مع شعور حقيقي بعدم القدرة على توجيه المعارضة. وفي ذلك، خرج الزعيم الجديد القديم بتلميحات كثيرة، لم تمرّ من دون تلقٍّ سياسي مغتاظ، من الشركاء والفرقاء السياسيين، عندما اعتبر أن "الرغبة في حل حزبه واردة" كما في العام 2003، وأن السياسة قد تقود إلى القتل، ومن "أراد أن يسلم فَلْيلزمْ بيته"، بل أحال على لحظات رهيبة في تاريخ المغرب، منها انقلابات العسكر سنتي 1971 و1972 أيام الراحل الحسن الثاني! وهي بلاغة سيكولوجية لقياس هول الصدمة، وفي الوقت نفسه، طعن سياسي في النتائج التي كانت وراء الهزيمة، بدون تسميته باسمه. الأنكى أن القائد الجديد للإسلاميين عارض المعارضة نفسها، واتهمها بأنها "جوقة"، في وقتٍ قال فيه إنه لا يجد ما يعارضه في قرارات الحكومة!

إعادة تسخين مواضيع كانت في السابق تلهب الشارع المغربي قد تأثرت كثيرا بالعقد الزمني الذي مارس فيه حزب العدالة والتنمية القرار العام

رابعا: لقد اتضح أن الاسلاميين في المغرب، على الرغم من عشر سنوات من قيادة الحكومة، استطاعوا في فترة أولى أن يشكلوا "التناوب" السياسي الذي فرضته المرحلة، لكن الخلاصة العامة أنهم لم يستطيعوا أن يكوِّنوا "النخبة البديلة" التي لا يمكن للمجتمع أن يتخلى عنها للتعبير عن حاجاته ومطالبه. ولهذا، لم يكن لغيابهم التأثير نفسه الذي كان لإخوانهم في تونس أو غيرها، من حيث تزايد التوترات أو استعصاءات الحكم، أو حتى في الردّة على صياغة المرحلة الجديدة.
ولافت أن الأمين العام الجديد عاد إلى قضايا الهوية، كما سوَّقتها في زمن سابق قضايا إلغاء الحكم بالإعدام أو العلاقات الرضائية والحق في الحرية الجنسية .. إلخ، وهي مواضيع تبنّاها لما يراه استثمارا مجديا في إدارة دفّة الصراع داخل المجتمع من بوابة الدفاع عن ثوابت فقهية وأخرى روحية. لكن الواضح أن إعادة تسخين مواضيع كانت في السابق تلهب الشارع المغربي قد تأثرت كثيرا بالعقد الزمني الذي مارس فيه حزب العدالة والتنمية القرار العام، ومسَّ من جرّائه بمصالح الفئات الاجتماعية بقراراتٍ كانت سببا في جزء من العقاب الانتخابي الذي أصدرته صناديق الناخب المغربي.