ليبيا ومصر التي بلا "استراتيجية كبرى"

03 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

يمثّل لقاء سفراء الولايات المتحدة الأميركية وألمانيا وإيطاليا وفرنسا والمملكة المتحدة، بحضور ممثلين عن البعثة الأممية في ليبيا، ورئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، فايز السراج، في 30 الشهر الماضي (ديسمبر/كانون الأول)، مؤشّراً مهمّاً، على عودة "المسألة الليبية"، إلى واجهة الأحداث، ما يكشف إجمالاً عن احتمال تصاعد تأثير السياسات الدولية في ليبيا، في الشهور المقبلة. وفي هذا الإطار، تنشط عدة دول أوروبية، فضلاً عن مصر وتركيا، على مسارين؛ أحدهما إعادة ترتيب أوراقها في ليبيا، عبر تنشيط الزيارات وإحياء خطابات الوساطات والمصالحات وعروض المساعدات الفنية والتدريب واستئناف العلاقات الدبلوماسية.. إلخ.

والمسار الآخر، تطوير اصطفافاتها في إقليم الشرق الأوسط عموماً، الذي يمرُّ بـ "مرحلةٍ انتقالية" خطيرة، بسبب نتائج سياسات الرئيس الأميركي المنتهية ولايته، دونالد ترامب، فضلاً عن تداعيات جائحة كورونا، وذلك كله في انتظار اتضاح سياسات الرئيس المنتخب، جو بايدن، ومدى تطابقها أو اختلافها عن خطابه الانتخابي. وفي هذا السياق، ربما يمكن فهم زيارة رئيس المخابرات العامة المصرية، اللواء عباس كامل، إلى بنغازي شرقي ليبيا؛ حيث التقى مع اللواء المتقاعد خليفة حفتر، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، في 19 الشهر الماضي (ديسمبر/كانون الأول) التي قد تعكس تريّث القاهرة، وربما عدم رغبتها في التخلي السريع عن ورقة حفتر، أملاً في توظيفها لاحقاً، لزيادة الضغوط على حكومة الوفاق الليبية، في حال نجاح المسار السياسي، وصولاً إلى الانتخابات الليبية المرتقبة، في 24 ديسمبر/كانون الأول 2021.

واستطراداً في فهم تكتيك الترقّب المصري، لتوجّهات سياسة بايدن الخارجية، جاءت زيارة الوفد المصري الأمني/ الدبلوماسي إلى طرابلس (27/12/2020)، برئاسة وكيل المخابرات العامة المصرية، مسؤول اللجنة المصرية المعنية بالشأن الليبي، اللواء أيمن البديع، لمناقشة دعم اتفاق وقف إطلاق النار في ليبيا، ومناقشة مخرجات لجنة 5+5، ودعم جهود الأمم المتحدة بشأن الحوار السياسي. وقد يكون الهدف الأهم لهذه الزيارة المصرية تشجيع حكومة الوفاق على القبول بدور مصري أكبر في غرب ليبيا، إضافةً إلى عدم ترك تلك المساحة خالية لتركيا، ما يقتضي أن تبتعد القاهرة عن رغبة ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، في تفعيل الخيار العسكري مجدّداً، ولكن هذه المرة بالهجوم على مصراتة التي تعد رأس حربة معسكر الغرب الليبي.

الاستراتيجية المصرية محكومة بتحكّم المركَّب الأمني/ العسكري في صناعة السياسة الخارجية، وهيمنته على الاقتصاد والمجتمع والإنسان

بهذا المعنى، لا يمكن الجزم بأن التحرّكات المصرية الأخيرة تعكس "تحولاً كلياً" أو "تغيراً جذرياً" في مقاربة المسألة الليبية أو غيرها من القضايا العربية؛ حيث تتحرّك القاهرة في مجمل سياساتها الخارجية، ضمن منظور أمني/ اقتصادي/ تكتيكي محدود، وتفتقد "استراتيجية كبرى"، ما يعكس تأثير أربعة عوامل متداخلة؛ تحكّم المركَّب الأمني/ العسكري في صناعة السياسة الخارجية، وهيمنته على الاقتصاد والمجتمع والإنسان.. إلخ، والتجاوب "شبه الكامل" مع ضغوط مصادر التمويل الخارجي (الأميركية والأوروبية أساساً، والسعودية الإماراتية منذ انقلاب 3 يوليو في 2013)، وتصاعد نفوذ أصحاب المال والأعمال والساسة المقرّبين من نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، وأخيراً تهميش دور وزارة الخارجية خصوصاً، والبيروقراطية المدنية عموماً، في اقتراح السياسات والبدائل والمبادرات.. إلخ، ناهيك عن صنعها أو تنفيذها.

وإلى ذلك، يواجه الدور المصري في ليبيا عقباتٍ إضافية تقلّص من فرص استعادة مصر حضورها هناك، ناهيك عن القدرة على التأثير الحاسم في العالم العربي، أو إقليم الشرق الأوسط؛ أولاها الأخطاء المتراكمة في السياسة الخارجية المصرية، في فهم سياقات البيئة الدولية والإقليمية منذ توقيع الرئيس أنور السادات اتفاقات كامب ديفيد عام 1978، وصولاً إلى اندماج القاهرة في سياسات محور الثورات المضادّة منذ عام 2013، والتي تعطي جميعها مكانةً إقليمية مهيمنة لإسرائيل، على حساب مصر والدول العربية جميعاً، التي تتآكل أوضاعها الداخلية والخارجية باطّراد، وتندفع نحو التطبيع مع إسرائيل، أملاً في تأمين بقاء النظم العربية، وتخفيف الضغوط الخارجية عليها.

تتمثل العقبة الثانية في حقيقة "تدويل" المسألة الليبية، بحيث يكاد ينعدم "البعد العربي" فيها، إلا إذا جاء في صورة "وظيفية" تخدم السياسات الدولية أو إحدى القوى الدولية، ما يؤكد انهيار وزن "الإطار العربي" في حقبة أمين عام جامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، ناهيك عن تراجع كل الأدوار العربية الإقليمية، في كلّ القضايا الاستراتيجية، وليس في ليبيا فحسب (تراجع أدوار مصر، والسعودية، والجزائر، والمغرب.. إلخ، سيما بسبب عدم تعاونها أو تنسيقها، في أطر ومنظمات عربية أو أفريقية أو إقليمية، لزيادة وزنها الجماعي وتقوية مواقفها التفاوضية وأوزانها الاستراتيجية).

من المتوقع أن يشهد دور الإمارات في ليبيا، وأدوار اللاعبين المحليين، مزيداً من الضبط، وربما التضييق

واتصالاً بهذا الأمر، من المتوقع أن يشهد دور الإمارات في ليبيا، وأدوار اللاعبين المحليين (مثل خليفة حفتر، ومحمود الورفلي، وأشرف الميار وغيرهم، وتشكيلات السلفية المدخلية المقاتلة عموماً، والمليشيات المتقاتلة في معسكري شرق ليبيا وغربها)، مزيداً من الضبط، وربما التضييق، خصوصاً إذا التزم الرئيس المنتخب، بايدن، بالعودة إلى خط السياسة الأميركية التقليدية، (القائمة على التعدّدية واحترام الاتفاقات الدولية، وتفعيل أدوار الأمم المتحدة، والتعاون مع الحلفاء في أوروبا وحلف شمال الأطلسي وخطاب حقوق الإنسان.. إلخ).

تتعلق العقبة الثالثة أمام السياسة المصرية في ليبيا ببروز دور المنافِس التركي، في ظل "مبدأ أردوغان الإقليمي"، وتفاهمات أنقرة مع موسكو في قضايا سورية وليبيا وجنوب القوقاز، ناهيك عن إصرار تركيا على المضي في استكمال صفقة منظومة صواريخ S - 400 الروسية على الرغم من العقوبات الأميركية والأوروبية، هذا فضلاً عن التقدّم التكنولوجي للطائرات التركية المسيّرة، من طرازي "أنكا" و"بيرقدار".

تحدّيات أساسية تواجه السياسة المصرية "الجديدة" في ليبيا، ما يعيق تحولها لاعباً مهيمناً، أو حتى مرجِّحاً

واستطراداً في التحليل، ثمّة ثلاثة مؤشرات توحي بقدرة تركيا على فرض مصالحها في ليبيا؛ مصادقة البرلمان التركي، (22/12/2020)، على مذكّرة تمديد نشر عسكريين أتراك في ليبيا 18 شهراً إضافية، زيارة وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، إلى ليبيا، في 26 ديسمبر/كانون الأول، لتأكيد جهوزية قوات بلاده في دعم حكومة الوفاق، وتعزيز التسوية السياسية في البلاد، التي ربما جاءت ردّاً عملياً سريعاً على وصف اللواء حفتر الوجود التركي بأنه "احتلال". وأخيراً، استمرارية سياسة تركيا تجاه حكومة الوفاق الليبية، كونها تندرج في إطار رؤية إقليمية أوسع؛ إذ تربط الموضوع الليبي بغاز شرق المتوسط، وكذا التنافس المحتدم مع فرنسا، ومحاولات أنقرة التأثير على دول منتدى شرق المتوسط (اليونان، قبرص، إسرائيل، مصر)، عبر استقطاب القاهرة إلى تفاهماتٍ إقليميةٍ، ولو على الصعيدين الاستخباري والاقتصادي.

باختصار، ثمّة تحدّيات أساسية تواجه السياسة المصرية "الجديدة" في ليبيا، ما يعيق تحولها لاعباً مهيمناً، أو حتى مرجِّحاً في المسألة الليبية، التي تم "تدويلها" بالفعل، سيما بعد مؤتمر برلين، (19 يناير/كانون الثاني 2020)، وقد يصعب إعادتها إلى "مسألة إقليمية"، بدون تعاون مصري فعّال مع تركيا ودول المغرب العربي ومنظمة الاتحاد الأفريقي. وقد يكون ذلك مستحيلاً عملياً، إذا لم يطرأ تحوّل جذري على بنية النظام المصري وتوجه سياسته الخارجية، التي تنوء تحت وطأة تحالفات دولية وإقليمية غير مفيدة للقاهرة، على الرغم من محاولاتها هي والرياض، إحياء خطاب "المصالحات الخليجية والعربية"، على نحوٍ قد لا يعكس تحولاً في السياسات، بقدر ما ينطوي على "خطابٍ تكيّفي"، لدرء السيناريوهات الأسوأ، والضغوط المتوقعة التي تنتظر الدول العربية، في عهد بايدن.