لماذا لا أحتفي بأول رئيسة حكومة عربية؟

لماذا لا أحتفي بأول رئيسة حكومة عربية؟

03 أكتوبر 2021
الصورة

قيس سعيّد يكلف نجلاء بودن بتشكيل حكومة (29/9/2021/صفحة الرئاسة التونسية في فيسبوك)

+ الخط -

تعيين نجلاء بودن رئيسة للوزراء في تونس خرق تاريخي لقاعدة تعيين الرجال في هذا المنصب الرفيع عربيا، واستبعاد النساء منه. وقد تفتح السابقة التونسية هذه الباب لتعيينات مماثلة في العالم العربي. وهنا يجب الاعتراف بأن هذا التعيين لم يكن ممكنا من دون النضال الطويل للنساء التونسيات ضد التمييز ومن أجل المساواة، وتاريخ النظام السياسي التونسي نفسه الذي كان سبّاقا في الاعتراف بحقوق المرأة. ولا يعني هذا إهمال السياق السياسي لتعيين نساء في مواقع عليا في كل المجالات، فالسياق قد لا يحدّد الكفاءة، إذ يحدث أن يعبر الاختيار الجندري، التقدّمي شكلا، عن حالة رجعية للاستخدام السياسي، سواء للتغطية عن خطايا حكومات ومؤسسات، أو وفقا لتبعية الشخص المعين وخضوعه للحاكم أو المتنفذين. ويُلاحظ أننا نجد ترحيبا من منظمات نسوية بتعيين أول امرأة في موقع حساس، باعتباره سابقة تاريخية يُحتفى بها، من دون الالتفات، أحيانا، إلى كفاءة هذه المرأة، وإلى وجوب أن تكون حرّة الإرادة لتؤدّي دورها في تدعيم القيم التقدمية.

لا يحقّ لي أن أحكم على قدرات السيدة بودن، فسجلها يدل على تعدّد خبراتها وتجاربها، لكن العامل الأهم هنا ما إذا ستكون أستاذة الهندسة غطاءً لتسويق إجراءات الرئيس التونسي، قيس سعيّد، وتردده في وضع أسس للتعددية والحريات العامة وإعادة البرلمان بعد انقلابه على دستور البلاد في 25 يوليو/ حزيران الماضي، فتعيين سعيّد رئيس حكومة جاء استجابة لضغوط غربية وداخلية، وسط مخاوف متزايدة من قوى عديدة كانت على استعداد لإعطائه فرصةً، لكنها أصبحت الآن متشكّكة من تسويفه وأغراضه. وكان كثيرون قد اعتبروا خطواته الأولى شرّا لا بد منه، لإنقاذ تونس من انهيار اجتماعي واقتصادي، بعد أن قادت القوى التي حكمت، بعد ثورة الياسمين، وفي طليعتها حركة النهضة، الإسلامية، تونس إلى انحدارٍ في مستوى المعيشة وعدم تحقيق حد أدنى من العدالة الاجتماعية التي كان غيابها أحد أسباب التفجير الشعبي في عام 2011. بينما رأى آخرون كثيرون، والكاتبة منهم، أن الفشل المريع للصيغة التوافقية (ضمت جناحا قويا من النظام السابق) ليس حجّة مقنعة لتبرير خطوات انقلابية من دون خارطة طريق واضحة، وهذا يطرح السؤال بشأن موقف السيدة بودن نفسها في مسألتي الحريات والعدالة الاجتماعية.

وصول النساء إلى مناصب عليا مؤشّر على تغيير في وضع المرأة، بل إنه، كما في تونس، نتاج صراع مرير وتضحيات قدمتها نساء في العالم من أجل المساواة في الحقوق

يتكهن بعضهم أن البنك الدولي ضغط من أجل تولي السيدة بودن رئاسة الحكومة في تونس، أو رشّحها لهذا المنصب الخطير في مهماته وتبعاته، وذلك لارتباط تونس باتفاقيات مع هذا البنك وشقيقه صندوق النقد الدولي، وتحتاج تونس إلى موافقة كليهما الدائمة لإعادة جدولة ديونها. قد تكون التهمة ظالمة، ومصدرها أن نجلاء بودن شغلت مسؤولية الإشراف على تنفيذ مشاريع البنك الدولي في وزارة التعليم العالي، وهذه ليست تهمة أو دليلا ضدها، لكن سعي الرئيس سعيّد إلى نيل قبول الغرب وفر أرضية للشك في دوافعه في تعيين هذه السيدة في المنصب التنفيذي الرفيع. ويضع هذا الأمر عليها مسؤولية كبيرة تتطلب إعلانا منها بخصوصه، أو أن ننتظر إجراءاتها للوقوف على موقفها من السياسات الاجتماعية والاقتصادية في تونس، ووضعها على المحكّ.

قد يبعث أن تتبوأ المرأة موقعاً مهما رسالة إلى فتيات كثيرات أن أحلامهن ممكنة، لكنه لا يبعث شيئا عن دور المرأة السياسي والإنساني، فأن المرأة مظلومة لا يجعلها بالضرورة نصيرة الضعفاء والمستضعفين، والأدلة كثيرة على هذا، فقد تبوأت امرأتان كفؤتان قيادة صندوق النقد الدولي، لكن هذا لم يجعل المؤسسة الدولية هذه أكثر رحمة وعدلا في شروطها القاسية على الدول المدينة والمستضعفة. ورأينا ثلاث نساء في منصب وزيرة الخارجية الأميركية ، لم ترفض أي منهن حروبا عدوانية أقدمت عليها الولايات المتحدة، بل ساهمن، مادلين أولبرايت وكوندوليزا رايس وهيلاري كلينتون، في ترويج الحروب وعمليات التجويع والقتل وترويجها ببلاغة ومهارة لافتتين.

جوهر المشكلة يكمن في طبيعة الأنظمة وقدرة الانتهازية أو الانتهازي على تبرير التواطؤ مع الظلم

يبقى وصول النساء إلى مناصب عليا مؤشّرا على تغيير في وضع المرأة، بل إنه، كما في تونس، نتاج صراع مرير وتضحيات قدمتها نساء في العالم من أجل المساواة في الحقوق مع الرجل. وفي حالات الوزيرات الأميركيات الثلاث، كان تعيينهن من إنجازات حركات نسائية وإثنية وعرقية وحقوقية من أجل محاربة التمييز ضد المرأة في الوظائف. في الوقت نفسه، علينا إدراك التوظيف السياسي للفئات الحاكمة بتوظيف التعيينات الجندرية أو الإثنية العرقية؛ فمن ناحية هي اعتراف بواقع التمييز، لكنها أيضا تهدف إلى كسب أصوات الناخبين أو تزيين سياسات عنصرية، فالرئيس الأسبق، باراك أوباما، من أكثر الرؤساء الأميركيين ثقافة، ونائب رئيس الولايات المتحدة الحالي، كامالا هاريس (من أصول أفريقية هندية) برعت وذاع صيتها محامية لامعة، لكن أوباما رفض، إبان رئاسته، الموافقة على تعويض أبناء الأفارقة، وهو منهم، عن استعباد الأوروبيين البيض المستوطنين لهم، ولم تدعم كامالا هاريس مجموعة النساء التقدّميات في الكونغرس، في معارضتهن تمويل الحروب العدوانية ضد الفلسطينيين (أنظر مقال الكاتبة في "العربي الجديد"، 26/9/2021)، إذ استفاد الاثنان، أوباما وهاريس، من كفاح حركات الحقوق المدنية وتضحيات أجداهم، لكنهما لم يدعما قضايا عادلة، داخلية وخارجية، لا تتوافق مع السياسة الأميركية، بل قادا تقويض هذه القضايا سراً وعلنا.

جزء من المعضلة أن هناك من لا يرى التقاطعات بين القضايا العادلة، لأن النظم السياسية والتعليمية السائدة لا تشجّع ذلك، لكن طموح السياسي للوصول إلى الحكم يحدث أن يقتل المبادئ، ويعمي بصيرة من كان مظلوما أو من خلفية فئة مضطهدة، وذلك ينطبق على نساء كثيرات في السلطة، وأكثرهن لسن استثناء، إذ تغيب القضايا المهمة والكبرى، وتبدأ المساومات الصغيرة، خصوصا حين ترى المرأة وجودها في موقع مهم إنجازا على النساء الشُكر عليه، وجوهر المشكلة هنا طبيعة الأنظمة وقدرة الانتهازية أو الانتهازي على تبرير التواطؤ مع الظلم.

نريد من أول امرأة عربية تصل إلى رئاسة الحكومة أن ترفض أن تكون ديكوراً للظلم، وأن تكون مدافعةً عن الحريات

في جزء من النقاش الجندري، يصبح تعيين المرأة وكسر التابوهات الضروري أهم من جوهر التعيين نفسه، وهذا مفهومٌ، لما تتعرّض له للنساء من غبن في التعيينات، خصوصا التنافسية وفقا للكفاءة. وبالتالي، تنير أي سابقة بارقة أمل في التغيير، وتعدّ دفعة قوية في النضال من أجل المساواة وحقوق المرأة، وفي هذا شيءٌ من الحقيقة. لكن هذا الموقف من دون تمحيص يبرّر تعييناتٍ غير عادلة، وبرأيي مهينة لأي امرأة (أو رجل) في الموقع نفسه، وتقبل أن تكون أداة لنظام سياسي يكبّل الحريات، ويعمّم الظلم الاجتماعي والاقتصادي، فلا معنى هنا إذن لوجود المرأة في منصبٍ من منظور السياسات التحرّرية التقدمية، لكن أحيانا يطغى الترحيب على التدقيق والمساءلة.

كنا ننتظر يوم تعيين، والأفضل انتخاب، امرأة في منصب رئاسة حكومةٍ، من خلال صندوق الاقتراع، لكن الحدث التاريخي العربي الأسبوع الماضي جاء مشوّشاً ومشوهاً، في ظروف التعيين وقبوله، فرئيس وزراء تونس منذ عام 2011 لا يعيّن، بل يصل من خلال ائتلاف أحزابٍ وصلت إلى البرلمان. ونريد من أول امرأة عربية تصل إلى هذا المنصب أن ترفض أن تكون ديكورا للظلم، ونريدها أن تكون مدافعةً عن الحريات ومستقبل تونس. .. هذه مسؤوليتك الأولى والأهم، السيدة نجلاء بودن، لكن لا أعرف إذا رسالتي هذه تصل إليكِ.