لقمان سليم حكاية اغتيال معلن

07 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

كنت قد بادرت صباحا بالكتابة عن مأساة مدينة طرابلس، عاصمة شمال لبنان، التي تتعرّض حركة الاحتجاج الشعبي فيها ضد السلطة لمحاولة "الدعشنة"، بعد إحراق بعض معالمها التاريخية إثر اشتباكات في الشارع مع القوى الأمنية... وإذ بخبر صاعق، ينقلنا إلى حدث أسوأ وأفظع، كنا توهمنا أنه أصبح وراءنا، أي العودة إلى التصفيات الجسدية باغتيال الناشط السياسي والمثقف والباحث، لقمان سليم، المعروف بمعارضته حزب الله، وهو في طريق عودته ليلا من جنوب لبنان. ست رصاصات أفرغت في رأسه وبطنه وظهره. لم يلجأ القتلة إلى استعمال كاتم للصوت، ولا إلى وضع الأقنعة على وجوههم، لأن جريمتهم تعرّف عنهم، ومعروفة بقدر ما كان لقمان يشهر معارضته لهم. اغتيال الصديق سليم هو بمثابة "جريمة معلنة مسبقا" لشدّة العناصر وكثافة المعطيات والوقائع التي تجعل منها، ومنذ سنوات، جريمةً "طال انتظارها" أو "تأخر ارتكابها" من القتلة.

لقمان سليم هو ابن الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل حزب الله اليوم، فيها عاش وترعرع ولا يزال يسكن فيها، في منزل العائلة الذي انطلق منه والده محسن سليم، رجل القانون والمحامي الألمعي الذي كوّن احتراما وشعبية مكّنته من أن ينتخب نائبا في الستينيات ممثلا لهذه المنطقة في البرلمان اللبناني، وكان من أشد المدافعين عن حقوق الإنسان، وعن الدستور والمؤسسات الشرعية. وعلى الرغم من التطورات التي عرفها لبنان في السبعينيات، وفي سنوات الحرب الأليمة، وعلى الرغم من التحولات السياسية والديموغرافية التي عرفتها منطقة الضاحية بالتحديد، إلا أن عائلة سليم لم تغادر الضاحية. وبعد أن أنهى دراسته الثانوية، سافر لقمان إلى باريس ليعود حاملا ماجستير في الفلسفة من جامعة السوربون، ويؤسس في أوائل التسعينيات مع شقيقته الكاتبة والروائية رشا الأمير (أهم رواياتها "يوم الدين") دار نشر "الجديد" التي شقّت طريقها بين دور النشر، وتميزت بإصداراتها المميزة في مواضيع وقضايا مختلفة وخارج المألوف، كما اهتمت بتشجيع المواهب والطاقات الثقافية الشابة.

ولد لقمان سليم في بيت سياسي وتراثي صمد في وجه التشوّه العمراني وعشوائية البناء الحديث التي فرضها النزوح السكاني الكثيف من الجنوب وقوى الأمر الواقع

انصرف لقمان إلى الاهتمام بالشأن العام، إنما من خارج المفهوم التقليدي، فلم يسلك طريق والده في العمل السياسي، بل اختار العمل داخل المجتمع المدني؛ فقد حوّل المنزل العائلي في قلب الضاحية، وعلى بعد مئات الأمتار من مركز قيادة حزب الله، إلى منتدى سياسي ثقافي تفاعلي، ومساحة للاعتراض، يواكب الأحداث ويتعامل معها، ويؤسّس مركز "أمم" عام 2004 الذي يوثق (يؤرشف) الحرب الأهلية، وواقع انتهاكات حقوق الإنسان في لبنان وسورية وفلسطين. فيما تصدر منشورات "هيا بنا" كراسات، وتنشر مقالات لكتاب ومثقفين وصحافيين معارضين لحزب الله وللنفوذ الإيراني الآخذ بالتصاعد للحلول محل الوصاية السورية، منذ ما بعد اغتيال رفيق الحريري عام 2005.

أصر سليم على البقاء في الضاحية مقيما وناشطا "بين فكي أنياب الضبع"، من خلال محافظته على منزل آل سليم في منطقة الغبيري، في قلب الضاحية، كما هو في هندسته المعمارية الوديعة والمحاط بحديقة وارفة، والذي يعكس زمن الأربعينيات والخمسينيات، والذي كان والده يمارس فيه ومنه حضوره السياسي. بيت سياسي وتراثي صمد في وجه التشوّه العمراني وعشوائية البناء الحديث التي فرضها النزوح السكاني الكثيف من الجنوب وقوى الأمر الواقع. بقي المنزل صامدا، مشكلا أول تحدّ لسلطة حزب الله، بمثابة واحة ضمن مساحة الحزب الصاخب، وبطبيعة الحال تحت رحمته. غير أن لقمان قبل هذا التحدّي، وراح يمارسه عبر أكثر من جبهة ومن خلال مؤسساته، سواء من الضاحية أو في قلب العاصمة، وعبر مشاركته على الصعيد الوطني في معظم النشاطات والفعاليات ضمن مختلف الأطر السياسية والمدنية. كما أنه كان أحد الوجوه الأساسية التي ساهمت، أخيرا، في تأسيس تيار معارض ومتنوع عابر للطوائف والمناطق، أطلق عليه اسم "حركة المبادرة الوطنية" الذي وضع نصب عينيه إيجاد معارضة جذرية في مواجهة الطبقة السياسية، وبلورة خطاب سياسي واضح ورافض لدويلة حزب الله وسلاحه غير الشرعي.

الجميع في لبنان يعرف، أقله في قرارة أنفسهم، من قتل رفيق الحريري وباسل فليحان وسمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني وبيار الجميل ووليد عيدو وأنطوان غانم ووسام عيد وفرنسوا الحاج

وكان لقمان سليم ناشطا وفاعلا في ثورة 17 تشرين (2019)، منذ انطلاقتها، إلى جانب أصدقاء إعلاميين وجامعيين ومثقفين تم، في لحظة ما، إحراق خيمتهم في وسط "ساحة الثورة"، لأنهم تجرّأوا على تنظيم ندوة لمناقشة إشكالية التطبيع مع إسرائيل. مقارعة حزب الله وفضح ممارساته ومخططاته وتبعيته لإيران تحولت إلى الشغل الشاغل للقمان، فكان واضحا وصريحا في محاججاته ودقيقا في معلوماته، وقاطعا كالسيف في مداخلاته وأحكامه التي كان يطلقها على شاشات التلفزة. وكانت العلاقة - المواجهة مع حزب الله تراوح بين التصعيد والهدنة، تتخللها اتهامات متكرّرة من الحزب وأنصاره بالخيانة والعمالة لإسرائيل وأميركا، وتهديدات بالقتل التي كانت تشهر ويلصق بعضها على مدخل المنزل، منها مثلا "المجد لكاتم الصوت" و"لا سلام مع العملاء جايي دورك" و"محسن سليم ولقمان سليم وجهان لعملة الخيانة والعمالة"، وغيرها من تهديداتٍ لا تحتاج الى تفسير. ثم جاءت الصرخة المجلجلة في البيان الذي أصدره لقمان يوم 13 ديسمبر/ كانون الأول 2019 في خضم "ثورة تشرين"، كاشفا فيها: "يسعى الخفافيش بين الظلمة والظلمة لتهديدي وإرهابي متعرّضين لحرمة الدار والعائلة للمرة الثانية خلال ثمانية وأربعين ساعة من خلال تنظيم، وبوقاحة متناهية، تجمع داخل حديقة الدار والهتاف بعبارات التهديد والتخوين والشتيمة". ويومها أطلق كلامه الشهير محذرا من التعرض له ولعائلته، قائلا: "أحمّل قوى الأمر الواقع، ممثلة بشخص السيد حسن نصرالله وبشخص الأستاذ نبيه بري المسؤولية التامة عما جرى وعما قد يجري، وأضع نفسي في حماية القوى الأمنية اللبنانية، وعلى رأسها الجيش اللبناني". وختم بالقول "اللهم قد بلغت". ولكن أحدا لم يكترث للتبليغ وللصرخة، ولم تكترث السلطة لتأمين أي حمايةٍ له. وأساسا لأن لا وجود للدولة وقواها الأمنية في الضاحية.

لماذا اغتيل لقمان؟ ومن اغتاله؟ ولماذا في هذا الظرف؟ تصبح كلها أسئلة بديهية، وإنما تافهة وسخيفة وغير ذات جدوى، فهي لن تغير في الواقع شيئا، وربما ليس من حاجة إلى توجيه الاتهامات، لأنها تحولت إلى حقيقة، وربما لأن القاتل يدل على نفسه. وهل يجب قراءة الجريمة على أنها رسالة موجهة إلى المعارضين ضمن الطائفة الشيعية، الذين خلع عليهم حزب الله لقب "شيعة السفارة" (الأميركية). أي بمثابة "رسالة داخلية" إلى بيئة حزب الله، على اعتبار أن لقمان كان ينتمي إلى الطائفة الشيعية، وإنها المرة الأولى التي يتم فيها اغتيال شخصية شيعية. بالتأكيد، ولكن جزئيا. أي أنها محاولة للقول إن الجريمة شأن شيعي، ولا تعني الجماعات اللبنانية الأخرى! في حين كان لافتا ما جاء في بيان "تيار المستقبل"، وكأنه يجاري هذا الافتراض، محمّلا المسؤولية إلى "القوى المحلية المعنية بأمن القرى الجنوبية"؟!

لقمان سليم ما زال حيا، وصوته عاليا، والقتلة هم الميتون

الرسالة أقوى وأبعد من ذلك، ولا حاجة للتكاذب. الجميع في لبنان يعرف، أقله في قرارة أنفسهم، من قتل رفيق الحريري وباسل فليحان وسمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني وبيار الجميل ووليد عيدو وأنطوان غانم ووسام عيد وفرنسوا الحاج، ولكنهم ظنوا أو أملوا أن يكون قد توقف مسلسل القتل مع محمد شطح في نهاية 2013 ولكن... انتظر حزب الله النهار بكامله، ليصدر مساء بيانا مقتضبا يدين فيه عملية الاغتيال، ويحذّر من استغلاله سياسيا وإعلاميا، من دون أن يرد على من اتهمه بالجريمة. مؤسفٌ ومقزّز التذكير بالشعار الذي عمّمه في مرحلة سابقة جيش الحزب الإلكتروني "من قتلناه يستحق" أو الذي يترافق مع كل عملية اغتيال "سلمت يداك" التي تُسقط كل الاتهامات، أو على ما كتبت صحيفة الأخبار اللبنانية أن هناك دوما "معركة مفتوحة دون أي نوع من الضوابط...". فهل سقط لقمان ضحية المرحلة الانتقالية الضبابية والمضطربة إقليميا مع تسلم الإدارة الأميركية الجديدة، ومحاولة إيران التصعيد ورفع سقف التفاوض عبر أكثر من رسالة؟

الأسئلة كثيرة حول كيف، ولماذا، والتوقيت، والمضاعفات، ولكن ليس حول هوية الفاعل. إلا أن نجل الأمين العام لحزب الله، جواد نصرالله، تكفل، على ما يبدو، بالجواب، مغرّدا فور شيوع خبر الاغتيال قائلا: "خسارة البعض هي في الحقيقة ربح ولطف غير محسوب"، وختمها بهاشتاغ # بلا أسف. ثم عاد ومحاها بعد موجة من الاستنكار والاستياء!

لقد أسكتوا الصوت الحر، ولكن شقيقة لقمان ترى أنه ما زال حيا، وصوته عاليا، والقتلة هم الميتون.