لبنان: موت بأشكال عدّة

25 سبتمبر 2020
الصورة
+ الخط -

تحوّلت الهجرة من لبنان إلى هدف يجمع عليه كثر هرباً من "الجحيم"، حتى قبل أن يبشّر به الرئيس اللبناني، ميشال عون، ولو عبر قوارب الموت. بعضهم محظوظ، حظي بفرصةٍ لبداية جديدة في بلد عربي أو أجنبي، قطع تذكرة سفره، حزم حقائبه، وهو يردّد بينه وبين نفسه أن لا عودة قريبة إلى هذا البلد. أما الآخرون فأقل حظاً، سدّت الأبواب في وجوههم فاختاروا الطريق الأصعب والوحيد المتاح أمامهم عبر قوارب الموت.

المأساة التي شهدتها منطقة طرابلس في شمال لبنان قبل أيام، بعد غدْر المهرّبين بالمهاجرين وتركهم في البحر من دون مأكل أو مشرب، ما أدى إلى وفاة عدد منهم، بينهم أطفال، لفظ بعضهم البحر إلى الشاطئ، هي التجسيد الأمثل ليس لخطورة هذه الرحلة فحسب، بل لحجم اليأس الكامن في نفوس اللبنانيين. هي مفاضلة بين الموت البطيء في لبنان أو الموت سريعاً في عمق البحر، أو النجاة بأعجوبة. على الأرجح، سمع هؤلاء المهاجرون قصص معاناة من سبقهم من عرب وأفارقة في رحلة الهجرة هذه في البلدان الأوروبية التي يصلون إليها. ولم تغب عن بالهم حكايات جحيم العيش في مخيمات اللاجئين في اليونان، خذلان خفر السواحل الأوروبي، الإيطالي تحديدا، للمهاجرين من ليبيا، وتركهم في البحر عرضةً للموت، غدر المهرّبين الذين لا يهتمون إلا بالأموال التي يجنونها. لكنهم مع ذلك بقوا على خيارهم. بالنسبة لهؤلاء، لا فرق بين هذه المعاناة وما يجري في لبنان، حيث لا خدمات ولا عمل ولا قدرة على تأمين مستلزمات العيش والإيجار. لطالما كانت طرابلس رمزاً للفقر والتهميش. تغص بالأغنياء، خصوصاً السياسيين منهم، لكنها تغرق في الفقر وغياب التنمية. خزّان السياسيين في وقت الانتخابات، وصندوق بريد رسائلهم السياسية والعسكرية في زمن الأزمات، ليست في قائمة اهتمامات لا الدولة ولا السياسيين. لكن ما جرى عقودا في طرابلس، وغيرها من مناطق الشمال المحرومة، ينسحب على كل لبنان في هذه الفترة. اختارت الدولة النأي بنفسها عن كل الأزمات الإقتصادية والاجتماعية، متفرّغة لأزمتها السياسية. التناتش على شكل الحكومة الجديدة وتوزيع المقاعد أهم بمليون مرة بالنسبة للسياسيين من حل أزمة الكهرباء أو المياه أو الإنهيار الإقتصادي والمالي أو حتى إعادة إعمار بيروت المدمرة جرّاء انفجار المرفأ في 4 أغسطس/ آب الماضي. 

إرث نهب الدولة حتى آخر رمق هو المهم بالنسبة لهؤلاء، مادام هناك ليرة واحدة في خزينة الدولة، وما دام هناك مساعدات قد تأتي، وإنْ بشروط سياسية واقتصادية، يعتقدون أنهم قادرون على التكيف معها لو مرحلياً.

يتلهى المسؤولون بمعاركهم، ويتركون اللبنانيين لمصيرهم. أما من يجرؤ منهم على الاعتراض، فأجهزتهم الأمنية (أي الموظفون الذين يتم تعيينهم بقرارات سياسية ووساطات ورشى) في المرصاد. وأخطر ما في الأمر ارتفاع مستوى القمع تدريجياً منذ احتجاجات 17 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، من استخدام الأسلحة المحرّمة دولياً، إلى استدعاء الناشطين أمام المحكمة العسكرية، إلى محاولة إسكات الصحافيين.

على مدى عام، رفع المحتجون شعار تغيير النظام لا إصلاحه، لأنهم يدركون عقم الخيار الأول. وعلى مدى عام، أثبتت السلطة، بكامل طاقمها، أنها غير مستعدّة للتنازل عن مواقعها، تتشبث بها بكل ما أوتيت من قوة وأدوات. وجل ما تقوم به محاولة تقاذف المسؤولية في ما بينها عن الفشل، والقول للبنانيين "دبّروا أنفسكم بأنفسكم". من يموت منكم يموت ومن يحيا فليحي، لكن بشروطنا، ولا تتوقعوا شيئاً منا، لأننا لا نرغب في ذلك.

joumana farhat
جمانة فرحات