لبنان: تبرير ترسيم الحدود

03 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

إذا استُخدم مبدأ "التبرير" بشكلٍ أكثر من الحاجة إليه يعني أن المُبرِّر يحاول إقناع نفسه بجدوى ما يبرّره، فعملية الإقناع دائماً ما تكون سهلة، حين يتعلق الأمر باستمرارية لثابتةٍ أو فكرةٍ أو عقيدة، بغضّ النظر عن صحتها أو عدمها، لكنها غالباً ما تكون صعبةً حين يتعلق الأمر بعكس الثوابت. وهو ما يؤخر في أحيانٍ كثيرة مسارا تاريخيا، بل يُبطئه إلى درجة حصول ثورة أو نشوب حربٍ. و"التبرير" إذا زاد عن حدّه، يصبح محاولةً أنانية لإنقاذ شخص أو فريق أو مجتمع، نابعة من ارتباطنا النفسي والعقائدي بهذا الشخص أو الفريق أو المجتمع، وليست منبثقة من تفكير عقلاني.

في بدء عملية ترسيم الحدود بين لبنان والإسرائيليين المقررة في منتصف شهر أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، يسعى كثرٌ إلى تبرير المسار الجديد، على الرغم من تناقضه مع كل المفاهيم الأساسية في لبنان، انطلاقاً من أنه "كان حتمياً" وأنه "كان يفترض اعتماده منذ عشر سنوات"، لكن الحقيقة ليست كذلك، بل إنها أبعد من لبنانوية التفكير، فالداخل اللبناني لم يكترث بترسيم الحدود مع الإسرائيليين، وسط إهمال الدولة لها. ورافق هذا الإهمال إهمالٌ مماثلٌ في ملف النفط والغاز والتنقيب عنهما برّاً وبحراً والذي سقط ضحية مناكفات الأحزاب ـ العصابات في لبنان. في المقابل، اغتنم الإسرائيليون اللامبالاة اللبنانية، وتمكّنوا من فرض أنفسهم في سوق الغاز، وصولاً إلى مشاركتهم في تأسيس منتدى شرق المتوسط.

فجأة استيقظت الدولة اللبنانية، بفعل الأزمة الاقتصادية التي صنعتها بنفسها منذ عام 1992، وبفعل فسادها الذي هيكلته بنفسها، وبفعل قضائها على كل إمكانات التطوير الذاتي ومفاهيم الكفاءة بنفسها، وبفعل إهدارها المال العام وسرقتها الأملاك العامة وعدم محاسبتها الفاسدين وأمراء الحرب وتسخير القضاء والأمن لصالحها بنفسها، وبفعل تطويع قوانين الإنتخاب وسرقتها ودائع الناس في المصارف، وتهريب الأموال إلى الخارج بنفسها. هذا الإستيقاظ المعزّز بفكرة أنها هي من تحاول إنقاذ لبنان، يمكن رميه في سلال المهملات، فقد كان من الأفضل التفاوض قبل إنشاء الإسرائيلي شبكة أمانه الخاصة، المدعومة بكبريات الشركات النفطية، في أثناء تنقيبه عن الغاز في بحر فلسطين المحتلة. وكان الأجدى، في حينه، إمساك البندقية بيدٍ والتفاوض بيدٍ، لا أن يخرج مساعد وزير الخارجية الأميركي، ديفيد شينكر، مساء أول من أمس الخميس، ويقول "لبنان يمرّ بأزمة اقتصادية واتفاق التفاوض مع إسرائيل سيساعده". 

الضائقة الاقتصادية التي صنعها النظام اللبناني، منذ عام 1992، وتغلغل المليشيات في الدولة وإفراغها من الأموال والإستيلاء على المناقصات العامة، هي ما أوصل لبنان إلى القبول بالترسيم الآن. ويقيناً القول إنه لو لم ينخرط لبنان في الترسيم حالياً، كان الترسيم سيُفرض عليه من دون تفاوض، ولن يستطيع مجابهته. الآن، سيبرّر كثيرون هذه الخطوة، وسيحاولون إسباغ نفحة الانتصارات عليها، وسيُقال ما لم يقله المتنبي في أشعاره من مديح للأطراف اللبنانية التي وافقت على الترسيم الآن. ومع أنه في دواخلنا، ندرك أن كل ما يُقال خطأ، وأن تأخير الترسيم خطيئة استراتيجية، وأن الحياة في جهنم لبنان هي ما أوصلت إلى هذا الدرك من التراجع، إلا أننا، وكعادتنا، وبعناوين طائفية ومذهبية وسياسية ومناطقية، سنهرب من هذه الوقائع بالتبرير لها، كي لا نتعرّض للهزيمة أمام الآخر، المختلف عنا طائفياً وسياسياً ومذهبياً ومناطقياً.

لا أحد يريد قراءة اتفاق الهدنة الموقع عام 1949 بين لبنان والإسرائيليين، وكثر سيتحجّجون بمسار الترسيم الذي حصل بعد عام 2000، وبعضٌ يعتبر أن الداخل اللبناني "اشترى" سلاماً مرحلياً لالتقاط أنفاسه في الداخل، لكن الأساس واحد في ذلك كله: منطق التبرير غير المنطقي لكل شيء على قاعدة "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً"، الذي لم يكن سوى خراب على لبنان وناسه. هذا المنطق هو ما صنع مجتمعاً منافقاً ومزيفاً، نرى نتائجه الاقتصادية في يومياتنا.