لبنان .. الإعدام بحبّة الدواء

لبنان .. الإعدام بحبّة الدواء

19 نوفمبر 2021
+ الخط -

أقلّ ما يمكن أن يُقال في القرار الذي اتُخذ في لبنان برفع الدعم عن الأدوية إنّه قضى بإعدام شريحة واسعة من اللبنانيين تفوق الـ 70% منهم، بحرمانهم من حبّة الدواء بسعر معقول ومقبول ومقدور عليه، إذ إنّ قرار رفع الدعم عن الأدوية، ومنها المزمنة، أشعل أسعارها بشكل جنوني، حتى بلغ بعضها عشرة أضعاف ما كان عليه، وبعضها أكثر من عشرة أضعاف في ظل أزمة اقتصادية خانقة، أفقدت اللبناني أكثر من 90% من قيمة دخله الشهري، وأفقدت الليرة اللبنانية أكثر من 90% من قيمتها وقدرتها الشرائية، وفي ظلّ بقاء الأجور على ما هي عليه، حتى أنّ أسعار بعض الأدوية باتت أكثر من الحدّ الأدنى للأجور، وهو 675 ألف ليرة لبنانية، أليس في رفع الدعم قرار بإعدام شريحة واسعة من اللبنانيين بحبّة الدواء؟!
ليس مهمّاً من الذي أخذ قرار رفْع الدعم، هل هو مصرف لبنان تحت حجّة وذريعة أنّه لم يعد قادراً على تأمين العملة الأجنبية وتوفيرها لدفع الفرق بين سعر الدواء أو أيّة سلعة مستوردة بالعملة الأجنبية وسعرها الذي تُباع به في السوق المحلية بالليرة اللبنانية، مع الإشارة هنا إلى أنّ المصرف ما زال يُصدر تسعيرة الليرة أمام الدولار الأميركي، على سبيل المثال، بـ 1515 ليرة للدولار الواحد، في حين أنّ سعر الصرف في السوق الموازية أو السوداء فاق قبل أيام 23000 ليرة للدولار الواحد.

الحكومة نائمة في سبات عميق، وغائبة عن أحداث البلد، لأنّ أحدهم ممّن يملك القوّة والسطوة أراد أن يعطّلها

ليس مهما أنّ من أخذ قرار رفع الدعم وزارة الصحّة العامة، وإن كانت مسؤوليتها جزئية في هذا الموضوع، لأنّ الوزير وافق على رفع الدعم عن الأدوية المزمنة، تحت حجّة وذريعة عدم توفّر الأموال لدى مصرف لبنان لدعمها، وبالتالي لعدم إدخالها إلى البلد، وبحجّة أنّه لا يريد أن تنقطع الأدوية المزمنة من السوق. أم هي الحكومة المعطّلة بقدرة قادر هي التي أصدرت قرار رفْع الدعم، وهي أصلاً نائمة في سبات عميق، وغائبة عن أحداث البلد، لأنّ أحدهم ممّن يملك القوّة والسطوة أراد أن يعطّلها، غير آبه بحياة اللبنانيين ولا بكرامتهم، وهو الذي يتحفهم كل يوم بأناشيد لا تنتهي عن الكرامة والعزّة والعنفوان، ولا يجد اللبناني نفسه اليوم إلا مرميّاً على قارعة الطرق، ومشلوحاً أمام المستشفيات والصيدليات ودور الرعاية والجمعيات الخيرية يفتّش ويبحث ويستجدي ما يسدّ به رمقه أو يطبّب به جرحه، فهل هذه هي الكرامة المطلوبة له؟!
ليس مهمّاً من أخذ قرار رفْع الدعم عن الدواء، فالجميع في لبنان يعرف أنّها الطبقة السياسية كلّها من جماعة الفاسدين والمفسدين ومغطّي الفساد مسؤولة عن هذا الوضع بنسب متفاوتة، سواء لناحية السياسات التي انتهجوها طوال الفترة الماضية أم لناحية القرار الأخير، وأنّ ما قاموا به هو جريمة جديدة تضاف إلى سلسلة جرائمهم من سرقة أموال الناس المودعة في المصارف إلى سرقة أموال الكهرباء والاتصالات والأدوية والمياه والمشاريع الوهمية، وقد كان آخرها قبل أيام رفع الدعم عن الأدوية.

سيفتح هذا القرار الباب أمام التهريب. أمام إدخال الأدوية إلى البلد بطرق غير قانونية ولا شرعية ولا مراقبة صحّياً

المهمّ أنّ الطبقات الفقيرة والمسحوقة، بل أكثر من 70% من اللبنانيين، سيكونون ضحايا هذا القرار، سيدفعون ثمنه من حياتهم وأمنهم الصحّي، ومن كرامتهم وعزّتهم التي لا يريد بعضهم لها أن تُجرح أو تُهان، فإذا بها ستكون تحت الأرجل والأقدام من أجل حبّة دواء، نعم من أجل حبّة دواء، لأنّه ما من أحد يعرف قيمة حبّة الدواء وأهميتها إلا الذي يجد بقربه ولداً أو والداً أو والدةً أو زوجةً أو زوجاً يتلوّى من المرض، وأنّ حياته تتوقف على حبّة الدواء ولا يجدها إلا إذا أهدر ماء وجهه وكرامته! هؤلاء الذين أخذوا قرار رفع الدعم عن الدواء، نعم أخذوا قراراً بإعدام اللبناني، بعد أن سرقوه وأهانوه وأذلّوه، ولم يعودوا يجدون فيه ومعه ما يستحق من أجله البقاء. 
غداً، أيّها السادة، سيفتح هذا القرار الباب أمام التهريب. أمام إدخال الأدوية إلى البلد بطرق غير قانونية ولا شرعية ولا مراقبة صحّياً، عندها سيكتشف اللبناني مرّة أخرى أنّه ضحية عمليات احتيال وتزوير كبيرة وجديدة، هي عملية الدواء المغشوش، غير المطابق للمواصفات الطبيّة التي ستغزو أسواق لبنان، وتجعل اللبنانيين ضحية لها من جديد فيُحكم عليهم بالإعدام مرّة أخرى بالدواء، ولا حول ولا قوّة لهم سوى الدعاء لتخليص البلاد والعباد من طغمةٍ لا تعرف معنى للرحمة والإنسانية والأخلاق.