لؤلؤ صناعي

03 فبراير 2021
الصورة

(سناء سقي)

+ الخط -

متأخِّرًا جدًّا، وبعد تجارب وخبرات مريرة، وفاشلة، على مدى سنين الحياة، اكتشفت أن أمي، رحمها الله، كانت على صواب، في وجهة نظرها، ونمط حياتها. كانت بلا صديقات مقرَّبات دائمات، كانت كلُّ حياتها مكرَّسة لبيتها وعائلتها، وكلُّ أنثى تمرُّ في حياتها تكون علاقتها بها عابرة، باحترام، حتى تعتقد أنها علاقة قوية ومتينة، وسوف تدوم، ولكنها أبدًا لم تكن كذلك، فلدى أمي قناعاتها، وهي أن الإنسان يصبح ضعيفًا، حين يضع سرَّه عند آخرين، ولذلك لم تضع سرَّها، إلا داخل نفسها، وقلبها، حتى رحلت.
لم تكن تحبِّذ العلاقات والصحبة الصريحة الملتصقة، وكلُّ علاقةٍ يجب أن تنتهي مع انتهاء الدوام في العمل، وللجارة ضيافتها، وللأخت حدودها، وأسرار بيتها كانت الخطَّ الأحمر الذي لا يتجاوزه أحد، مهما بلغ قربه منها، ولذلك حافظت على علاقةٍ قويةٍ ومتينة مع الزوج، ولم تسمح لأيِّ صوت أنثوي أن يعكِّر عليها ثقتها التامة بزوجها، برغم طبيعة عمله، فلديه باقات متجدِّدةٌ من الطالبات والزميلات، وهكذا لم تُصَبْ بنيران صديقة، طيلةَ حياتها.
يجب أن تتقدَّم في العمر كثيرًا، وتُجرَح، وتُصدَم، وتتوالى الكوارث فوق رأسك، وينهشك مَن حولك، بلا رحمة؛ لأنك لسببٍ بسيطٍ لم تكن مثل أمك، فلم تعِ الدرس جيدًا، وتجد أن كلَّ من دخلوا حياتك، تحت بند الأصدقاء، قد دمَّروها، وتسأل نفسك السؤال الغبي: لماذا نحتاج أصدقاء، والعتمة تلفُّك، وصوت عواءٍ من بعيد، وقطة تموء في الجوار، وتلك الليالي الطِّوال التي ترغمك أن تهرش رأسك، وتضغط أرقام هاتفك، وتتحدَّث، وليتك لم تفعل. واليوم، أيها البائس، أصبح الأمر أسهل، فأنت تراهم في صفوف وأعمدة، وخلف أيقونات تضيء وتخبو وأسماء حقيقية، أو وهمية، أو إيحائية، وهكذا تفتح فمك، وتتكلم، وليتك لم تفعل، أيضًا. ولكن وقت التراجُع قد مضى؛ فالكعكة التي كانت في فمك قد قضمت منها قضمة، وأصبحت من حقِّ الآخرين، وأنت لم تستسغ لذَّة القضمةِ الوحيدة منها.
يقول نجيب محفوظ: مهما بلغت ثقتك بالآخرين، لا تفتح لهم من غرف حياتك أكثر من غرفة الضيوف. وتقول مقولة حكيمة: احذر عدوَّك مرَّة، واحذر صديقك ألف مرَّة، فهو أعلمُ بالمضرَّة. ويبدو أن مقولة الصديق وقتَ الضيق قد أصبحت مِساحتها ضيِّقة في حياتنا، والغدر والخيانة، أو حتى الخذلان، في أحسن الظروف، قد أصبحت ديدن الأصدقاء، في هذه الأيام. وربما قسوة ظروف الحياة هي السبب في تغيُّر الأصدقاء، وإن أصبحت الأنانية تسود، وتعلو، فيما لم يعد هناك إنسان يحبُّ الخير لغيره، إلا في حالاتٍ نادرة. وفي النهاية، أنت لن تأمن الصدمات، من أقرب المقرَّبين، وتعزو الخطأ إلى سوء اختيارك، منذ البداية.
يُعرَض، هذه الأيام، مسلسل ركيك الحبكة، وساذج الفكرة، تحت عنوان" لؤلؤ". وبعيدًا عن نقده الذي يحتاج مساحة أوسع، هناك قصة صغيرة لافتة، على الرغم من انزوائها، وهي خيانة صديقة البطلة التي تربَّت معها في الملجأ، وكانت رفيقة كفاحها. ولكن الغريب أنَّ الصديقة تُخفي عكس ما تظهر، وتقرِّر أن تضع في طريق صديقتها التي لم تبخل عليها بشيء، وفتحت لها بيتها، حين أصبحت ثريَّة، شابًّا يوهمها بالحب؛ لكي يستولي على أموالها. والغريب أن معظم رُوَّاد التواصل الاجتماعي قد تغاضَوْا عن كلِّ عيوب المسلسل، وتداولوا قصة خيانة "مروة". وتحدَّث كثيرون عن قصص عايشوها لخيانة الأصدقاء، وأن الطعنات لم تصبهم في مقتل، إلا من أقرب المقرَّبين، وتساءل كثيرون: هل علينا أن نبقى بلا أصدقاء؛ لكي نأمن الخيانة. والمعادلة فعلًا صعبة ولكن الحلَّ الوسط؛ لكي نريح قلوبنا، علينا أن نحتفظ بأسرارنا لأنفسنا، حيث قال الحكماء: من لا يملك سرًّا لا يملك سحرًا، فأنت لن تعرف خبايا النفوس، ولذلك أنت مضطر أن تضع كلَّ الناس في غرفة الضيوف، أو كما قالت لي صديقة، منذ زمن: كلُّ الناس في زقاق القلب قريبون من باب الخروج.