كنافة نابلس أو فلسطين من الداخل

05 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

"أن تفكر في فلسطين"، يوميات للكاتب المغربي عبد الله صديق، الصادرة في 2019 عن دار المتوسط (ميلانو)، بالاشتراك مع دار السويدي (أبوظبي)، ضمن مشروع ارتياد الآفاق لمسابقة ابن بطوطة، يعيش من يقرأها خلال 95 صفحة شعوراً عظيماً، تمتزج فيه روح التحدّي والمقاومة بالحياة، فالشاب عبد الله الذي تجمعه بكاتبات رام الله وكتّابها صداقاتٌ افتراضيةٌ طويلة وجميلة، تحقّقت واقعاً، حين زار فلسطين ضمن مهرجان محمود درويش، فلقي حفاوة من الأصدقاء الذين تقاسموا وفادته، بل كانت فرصةً مهمة للجميع أن يلتقوا الزائر الجديد، فكانت في الأمر فرصة مهمة للقارئ أن يرى انعطافاتٍ للحياة الشابة في فلسطين. وقد سجّل صديق تفاصيل رحلته التي دامت سبعة أيام على هيئة مشاهد سينمائية مقطّعة. ليخرج الكتاب بأكثر من خمسين مقطعاً، كل واحدٍ يشكل زاوية نظر جديدة. التقاطات أشبه بالتقاطات المصوّر الفوتوغرافي، مع تجنيح شعري للعبارات، أضفى عليها رونقاً جاذباً. 
كتابٌ حين تقرأه لا يمكنك إلا أن تكره إسرائيل، فطوال مدة الرحلة تتداخل حياة الناس مع أسلحة الجنود الإسرائيليين وصلافتهم. في مزيجٍ بين الرغبة في الحياة والرعب الجاثم. حياة إسبرطية الملامح، يحاول الفلسطينيون فيها انتزاع فرحهم وسخرتيهم ونبضهم الخاص من وسط جنود كئيبين ينفّسون عن ضجرهم بالعنف والاحتقار.
وكان الكاتب يتمرّد على برنامج الزيارة، ويخرج وحيداً هائماً على وجهه، فهي "فرصة لا تتكرّر، وإن عطفت الأقدار وكرّرته، فلن تكون أبداً بالجلال الأول نفسه". لهذا السبب، يطلعنا على جديد لا يمكن أن توفره وقفات البرنامج المعدّ سلفاً، فمثلاً، في أثناء محاوراته مع الشباب الذين صادفهم في الطريق، وجد شابّاً صوّر معه، فأخبره أن أصول أجداده تعود إلى مدينة فاس.
ولأن لكل رحلة لفلسطين ما يميزها عن سواها، فإن أكثر ما يميز يوميات عبد الله صديق أنها لم تستكن نهائياً إلى عاطفة الحزن التي يشيعها المشهد العسكري الإسرائيلي المبالغ فيه، والذي يخنق المدن الفلسطينية ويسوّرها بالرعب، إذ بحث الكاتب في ما وراء الجو العام من تفاصيل مثمرة، من ثقافة وتراث وأطباق طعام. نجد مثلاً تفصيلاتٍ ملفتة في البحث عمّا يميز كل منطقة زارها الكاتب، وأهم خصائص كل مدينة، فطولكرم مثلاً تتميز بتفوق أبنائها (يحصلون في الامتحانات الوطنية على أعلى نسب النجاح، وبأعلى الدرجات، إلى جانب العدد اللافت من براءات الاختراع المسجلة بأسماء أبناء المدينة).
وفي رحلة العودة إلى رام الله، داهمتهم رائحة نفّاذة وناعمة في آن، تبين فيها طعم السكر المحمص والجبن الملفوح بالنار، فعرفوا أنها الكنافة. لنجد في الصفحات وصفاً دقيقاً للكنافة ومكوّناتها وطريقة إعدادها، فالقارئ سيعيش لحظات مع هذه التحفة المذاقية التي تتميز بها مدينة نابلس. ثم على مدخل رام الله، داهمتهم رائحة الفلافل، فيستغرق في وصفها بلغةٍ لا يخطئها الشعر (هي حمص وبصل وثوم وفلفل وبقدونس ونعناع، جمعوا في صعيد واحد، ودقّوا بمهراس، ثم خلطوا ملحاً وكموناً وبهارات أخرى، وسقوا زيتاً. حتى صار الجمع مفرداً، ثم رجع إلى مفردٍ فجعل مدواراً مكوراً، ليلقى به في غلوة الزيت، تُنضجه بصهدها حدّ الفوران، فيخرج منها أشدّ بأساً وأكمل تماسكاً). 
وفي اليوميات لا توجد سوى صورة واحدة، الكاتب واضعاً يده على راحة محمود درويش، المعلقة صورته الكبيرة على جدار المتحف، وقد بسط راحته البيضاء بالسلام، وهو ينظر إلى اليمين، وعلى وجهه ما يشبه ابتسامة تجمّدت وهي على وشك التشكل. وكأن درويش، في الصورة، ينشد السلام والمحبة، ولكن ليس على المقاس الإسرائيلي، إنما ذلك السلام الذي يمنح الفلسطينيين حقهم الطبيعي في حياةٍ كريمة، غير تلك الحياة التي يتنفس فيها الرعب والقمع، ويجوس أروقتها ليلاً ونهاراً، وتتم محاصرة مليوني إنسان في قطاع غزة، في ما يشبه أكبر جريمة حية تعيشها الإنسانية.
على ظهر غلاف اليوميات، كتب الشاعر والروائي الفلسطيني، إبراهيم نصر الله، ضمن ما كتب: "لقد عشت ما عاشه عبد الله في هذا النص، إلا أن جماليات الكتاب، ورهافة التقاط التفاصيل والعيش فيها، جعلني أزور فلسطين مرة أخرى، أرى فيها ما لم أره من قبل. تتمثّل قدرة الكتاب في أنه يجعلك تركض عبر السطور، من خلال قوة اللحظة التي يتناولها، واللحظة التالية التي بت متشوّقاً إليها".

593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
محمود الرحبي