"كلمات متقاطعة" في إقليم ملتهب

"كلمات متقاطعة" في إقليم ملتهب

03 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

أمرٌ لافت أن يراهن الإيرانيون على الإدارة الأميركية الجديدة، للعمل على خلق حالة "دفء" على صعيد العلاقة المعقدة بين واشنطن وطهران، حتى ولو بقدرٍ محدودٍ يتيح لهم أن يتنفسوا الصعداء، وأن يحققوا بعض المكاسب لبلادهم، بعدما أرهقتهم العقوبات التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب عليهم. ولافتة أيضا إشارة رجل الدبلوماسية الإيرانية المحنك، محمد جواد ظريف، إلى علاقته الوطيدة بجو بايدن التي تمتد إلى ما قبل عشرين عاما، عندما كانا يمثلان بلديهما في المنظمة الدولية، وقد تعاملا باحترافيةٍ تامة، وتفاهم متبادل "لكننا لم نكن صديقين"، إشارة ظريف هذه كانت ردا على اتهامات خصومه المتشدّدين الذين وصفوه مرة بأنه "من عصابة نيويورك"! ولافتة أكثر مسارعة إدارة جو بايدن، بعد أيام فقط من تنصيبه، لتكليف شخصية دبلوماسية بارزة، مثل روبرت مالي الذي يعرف بأنه "مهندس الحلول المستحيلة للنزاعات الصعبة"، للإشراف على ملف إيران، وكان له دوره البارز في صياغة بنود الاتفاق النووي، بالتعاون مع ظريف. ويعزو محللون النجاح في التوصل إلى الاتفاق في حينه إلى "التناغم" الذي حصل بينهما، على الرغم من وجود عناصر في فريق التفاوض الأميركي في مواقع أعلى منه.

رأت قطر، المعروفة بمبادراتها الدبلوماسية في إيجاد أرضيةٍ للحوار في أكثر من مسألة خلافية، أن الوقت قد حان أمام الخليجيين للدخول في حوارٍ مع الإيرانيين

وأيضا، فإن فصلا من "الدبلوماسية السرية" انعقد بين فريق جو بايدن وممثلين عن حكومة طهران في الأسابيع التي سبقت تنصيب الإدارة الجديدة، كان الهدف منه تبادل استجلاء المواقف المتعلقة بالعلاقة بين البلدين، والتفكير في حلحلة العقد التي اكتنفتها في عهد ترامب.
تشابكت هذه التقاطعات المستجدّة مع عديد من تقاطعات أخرى حصلت في المحيط الإقليمي، عكست تحرّكا في أكثر من اتجاه، فقد وضع الإيرانيون شرطا لعودتهم إلى الاتفاق النووي، هو أن تعود أميركا أولا، وهم بعدما أحكموا حلقات مشروعهم التوسعي، الممتد إلى مدن عربية عديدة، أولاها بغداد، يسعون جاهدين إلى انتزاع اعترافٍ بزعامتهم الإقليم في غياب مراكز القوة العربية. الأميركيون، من ناحيتهم، يريدون التفاوض على حزمة مسائل: الملف النووي والصواريخ البالستية واليمن وأمن الخليج، والسعودية طلبت أن تكون حاضرةً في أي مفاوضات، ما دامت كل هذه الأمور تعنيها قبل غيرها. ردّت طهران بالرفض، وعرضت مقابل ذلك الحوار المباشر مع السعودية ودول الخليج، من دون حضور طرف أجنبي. قطر المعروفة بمبادراتها الدبلوماسية في إيجاد أرضيةٍ للحوار في أكثر من مسألة خلافية، رأت أن الوقت قد حان أمام الخليجيين للدخول في حوارٍ مع الإيرانيين، كما عرضت وساطتها بين تركيا والسعودية. العراق، الذي شهد على أرضه استعراضات القوة بين أميركا وإيران، أعرب عن استعداده لاحتضان حوار بين الطرفين. وفي محاولة منه لإيجاد نوع من التوازن في علاقاته الخارجية، عقد اتفاقيات تعاون وتنسيق في مجالاتٍ شتى مع دول عربية. لبنان الذي أنهكته تجاذبات أطرافٍ دولية على أرضه وصراعات نخبه السياسية بدا عاجزا حتى عن تشكيل حكومة قادرة على إدارة شؤونه. أما سورية فما زالت تعاني من استعصاء الحل لمشكلتها المزمنة في ظل هيمنة إيرانية - روسية على قرارها، وعلى أرضها أيضا. ووسط تردّي الأوضاع على النحو الماثل، شرعت تركيا في البحث عن دور لها وحصة، ما دام العالم العربي مشروع قسمة مفتوحا.

ليس ثمة معادلة واضحة يمكن من خلالها فتح الأبواب التي استغلقت، فضلا عن أن كل المعادلات القديمة فقدت صلاحيتها مع الزمن

لا يحتاج المرء إلى جهد كي يكتشف أن كل هذه التشابكات التي تشبه لعبة "كلمات متقاطعة" وسط إقليم ملتهب تعكس شعورا حادّا لدى العرب بأنهم مستهدفون بشكل أو بآخر، وأن ثمّة مخاطر جدّية تلوح في الأفق، مهددة بلدانهم التي تعاني من جراحات مستوطنة ومحاولات إصلاح خائبة. وقد جاءت جائحة كورونا لتطبق على أبنائها، تضاعف جراحاتهم وتزيد من جرعة الإحباط لديهم.
ما العمل إذن؟ ليس ثمة معادلة واضحة يمكن من خلالها فتح الأبواب التي استغلقت، فضلا عن أن كل المعادلات القديمة فقدت صلاحيتها مع الزمن. ولكن ما هو مهم البحث عن نقاط التقاء وحوار، وإدراك أن الركون إلى "نوستالجيا" الزمن الجميل لم يعد ينفع، لأن شعوبنا تريد استحقاقاتها كبشر، غذاء ودواء ولقاحات، وكهرباء ومياها صافية، وكفالة حياة وضمانات عيش رغيد، وحماية من الظلم، وعدلا ومساواة وشهادة مواطنة حرة.
وليس أمامنا في ظل كل هذه الاستحقاقات سوى أن نعترف بخساراتنا وخيباتنا، ومشاريعنا التي تهاوت مع الريح، وأن نتخلّص من إدمان انتظار المستقبل، من دون أن نهيئ مطالبه ومتطلباته، والخشية من أن تحيق بنا إحباطات أكثر وخيبات أكبر!