كائنات منتهية الصلاحية

كائنات منتهية الصلاحية

19 يوليو 2021
الصورة

(بشار الحروب)

+ الخط -

تقول معلمة اللغة الإنكليزية، الأميركية البالغة 91 عاماً، فلوسي لويس، إنّ التقدّم في العمر مجرّد حالة ذهنية. وتقدم نفسها في فيلم وثائقي بأنّها امرأة تسعينية تعاني من أمراض الشيخوخة التي تمنعها من الحركة، غير أنّها تحسّ بأنّها لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها بعد. فلسفتها في الحياة أنّ المقدّر سوف يحدث مهما فعلنا، وعلينا تقبل مصيرنا مهما كان قاسياً. وفي لقاء أعد للمّ شملها مع بعض تلاميذها القدامى الذين لم تلتقِ بهم منذ أربعين عاماً، استعادت وإياهم الذكريات المبهجة، فيما عبّروا عن محبتهم لمعلمتهم وتقديرهم لها، وسردوا قصصاً شخصية عن تأثيرها في مسار حيواتهم بطرق مختلفة. قالت لهم أحياناً إنّ العثور على إجابات مؤكّدة في الحياة قد يحطم الروح، لذلك عليكم الاستمرار في البحث عن المعنى، وعدم الاطمئنان إلى إجابة محدّدة. وعن الموت، قالت إنّه لا بدّ من قبول حقيقة أنّ الجسد في طريقه إلى الزوال، تلك حقيقة حتمية لا مناص من مواجهتها، غير أنّ ذلك لا يعني أنّ الشخصية تختفي تماماً، وأنّ من الأشياء الأكثر صعوبة للتصديق بالنسبة لها هو الاعتقاد أنّ أثرنا في الحياة قابل للانطفاء.
وقد حقق مقطع فيديو بثته فلوسي سبعة ملايين مشاهدة، ولاقى تفاعلاً كبيراً من الجمهور، ومن تلاميذها الذين أصبح بعضهم كتّاباً بارزين، وأشخاصاً ناجحين في حياتهم العملية، متأثرين بمعلمتهم المتميزة. وفي اللقاء ذاته، قالت إحدى تلميذاتها إنّها في فترة ما عانت من إحباط وكآبة وسوداوية، وراودتها أفكار انتحارية، غير أنّ معلمتها، فلوسي لويس، حالت دون ذلك، وأنقذتها من مصير مظلم، بسبب اهتمامها وإخلاصها في توجيه تلاميذها والاعتناء بصحتهم النفسية، قبل تحصيلهم الأكاديمي. قال لها معدّ الفيلم الوثائقي الذي تناول حياتها: لقد أثرت في حياة كثيرين، يا فلوسي... عقّبت بتواضع جم: وقد تأثرتُ بأشخاص كثيرين التقيت بهم خلال الحياة الطويلة التي عشتها، الأمر يحدث في الاتجاهين، يا عزيزي، لا يمكنك أن تكون مؤثراً بشكل فعلي، ما لم تشعر بالآخرين وتتأثر بهم.
فلوسي لويس قصة مؤثرة لمسنّة بلغت من العمر عتياً، وحظيت بالتقدير الذي تستحقّ في أواخر أيامها، ما مدّها بمشاعر الفرح والرضا والإحساس بجدوى كفاحها المثمر في الحياة. لكنّ تلك الحكاية الجميلة تظل استثناءً في ظلّ ثقافة أبناء هذا الزمن الجاحد المتنكّر لجذوره. كم من المسنّين، خصوصاً في عالمنا العربي، يشعر بالمرارة والخيبة لضياع العمر هباءً، حين يركنون في الزاوية، ويُشعرهم المجموع بقلة أهميتهم، وبأنّهم مجرّد عبء ثقيلٍ يتمثل بأكلاف علاجهم ورعايتهم التي تستنزف ميزانياتٍ كبيرة، ستكون أكثر جدوى في إنفاقها على الشباب. ولا ننسى حالة البهجة والاطمئنان التي أحسّ بها الناس في بدايات تفشّي وباء كورونا، حين أفادت دراسات علمية بأنّ كبار السن هم الأكثر عرضة للإصابة والموت بسبب الوباء، وتنتشر في الآونة الأخيرة أبحاث ودراسات علمية عن سرعة تردّي صحّة المسنين، وسهولة تعرّضهم للأمراض. وساهم تغيير نمط العلاقات الأسرية واستقلالية الأبناء في سن مبكّرة نسبياً في تراجع دور الآباء في تقديم الخبرة والمعرفة، ما جعل دور الآباء هامشياً في حياة أبنائهم. وذهب علماء كثيرون إلى أن التقدّم العلمي والطب الحديث ساهما فعلاً في إطالة عمر الإنسان، لكنّه لم ينجح في تحسين نوعية الحياة أو تخفيف أعباء الشيخوخة جسدياً وعقلياً، ما يجعل الموت الاختيار الأفضل، كونه أكثر رحمة وأقل كلفة، ما يجنّب المسن معاناة طويلة، لا أمل في الخلاص منها. وعلى الرغم من عقلانية هذا النوع من الدراسات ومنطقيته، فهي تتجاهل، بشكل صادم، البعد الإنساني، وتحطّ من قيمة الحياة، وتحول البشر إلى مجرّد معادلات وإحصائيات، وتطرح المسنين كائناتٍ منتهية الصلاحية، فائضة عن الحاجة. وهنا بالضبط تتجلى هزيمة البشرية الأخلاقية بأقبح صورها.