في وجوب ملاحقة داعمي الاستيطان

في وجوب ملاحقة داعمي الاستيطان

18 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

أطلق ائتلافٌ مكوّنٌ من 25 منظمة حقوقية ومنظمات مجتمع مدني، أوروبية وعربية وفلسطينية، حملةً دوليةً لملاحقة الشركات والبنوك التي تدعم الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وفي ما يمكن اعتباره فضيحة تمويل أعمالٍ غير قانونية، نشر هذا الائتلاف، واسمه "لا تساهم في تمويل الاحتلال"، أواخر سبتمبر/ أيلول الماضي، تقريراً كشف فيه أن لدى أكثر من 672 شركة تجارية وبنوك أوروبية علاقات مع 50 شركة تضطلع بنشاطاتٍ تجاريةٍ وإنشائيةٍ مباشرةٍ مع المستوطنات الإسرائيلية. وترتبط هذه المؤسسات بالمستوطنات بأعمال توفر للأخيرة التمويل المالي والدعم، وتشارك بكل المشاريع التي تساهم في تأسيسها وإنشائها واستدامتها. وقد ضخّت في جسدها، بين 2018 ومايو/ أيار 2021، استثماراتٍ وصلت قيمتها إلى 255 مليار دولار. وإذ يتأكّد من حجم الاستثمارات الضخم أن كل ما تنطق به هذه المؤسسات، والحكومات التي تقف وراءها، عن الامتثال للقوانين الدولية، يتبخّر حين يتعلق الأمر بالإسرائيليين، إلا أن محاولات فضح هذه المؤسسات تكتسب أهميةً خاصةً في ظل وجود إمكانية لتجريمها، وفي ظل التعتيم الإعلامي الذي شاب هذا التقرير.
وانطلاقاً من واقعة التعتيم الإعلامي الذي لحق التقرير (125 صفحة)، وعنوانه "فضح التدفقات المالية للمستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية" حريٌّ بنا التساؤل عن سبب هذا التعتيم، انطلاقاً من حقيقة أن قنوات تلفزيونية إخبارية عربية بارزة وصحفاً كبيرة لم تأتِ على ذكره أو الإشارة إليه، وهو ما يثير الريبة لدى المتلقي العربي أو الفلسطيني. وقد اقتصر الأمر على تناقل عدد محدود من المواقع الإعلامية على شبكة الإنترنت التقرير التلفزيوني الذي بثته قناة الجزيرة، في 5 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، عن الموضوع، والذي أعدّته مراسلتها في فلسطين، جيفارا البديري. هل وراء هذا التعتيم واقع تطبيع عدد من الأنظمة العربية علاقاتها مع إسرائيل، قبل سنة، وعدم ممانعتها مساهمة شركاتها بنشاطات في المستوطنات الإسرائيلية، ما يجعلها في حرجٍ من موقفها أمام شعوبها إن جاء إعلامها على ذكر التقرير؟ قد يكون هذا هو السبب. ولكن قد يكون السبب الأكثر إيلاماً هو المساهمة في إغفال قضايا الشعب الفلسطيني، وخصوصاً منها قضية الاستيطان فوق الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد حرب 1967، القضية التي تعد جريمة بنظر القوانين الدولية.

أعلنت 25 منظمة حقوقية ومجتمع مدني أنها لن تنتظر محاسبة إسرائيل أمام المحاكم الدولية بل ستعمل على ملاحقة الشركات التي تموّل الاستيطان أمام المحاكم الأوروبية

مهما كان سبب التعتيم، يبقى أن الأهم هو ما أنجزته هذه المنظمات، والذي لا يتوقف عند مجرّد الكشف عن ممولي الاستيطان من الشركات والبنوك الأوروبية وتسميتها بالاسم، بل يمتد إلى عزمها رفع قضايا أمام المحاكم الأوروبية لملاحقة هذه الشركات والبنوك. وفي هذا السياق، أعلنت تلك المنظمات أنها لن تنتظر محاسبة إسرائيل أمام المحاكم الدولية لانتهاكها القرارات الأممية التي تجرِّم الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل ستعمل على ملاحقة هذه الشركات أمام المحاكم الأوروبية، مستندةً إلى حقيقة أن القوانين الأوروبية تجرّم المساهمة في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وتسعى هذه المنظمات إلى إظهار الأمر أمام الرأي العام، وتوضيح أن ما تفعله هذه المؤسسات الداعمة هو مساهمة في جريمة حرب. كما أنّها تطمح إلى الضغط على الحكومات، لإصدار لوائح تُلزم المؤسسات داعمة الاستيطان إنهاء مشاركتها في أعمالٍ تنتهك القانون الدولي وحقوق الإنسان كهذه الأعمال.
ويستند ائتلاف المنظمات هذا، في سعيه إلى ملاحقة الشركات والبنوك الأوروبية، إلى مجموعة من القوانين والقرارات والأوامر الدولية، ومنها قرار مجلس الأمن رقم 465 لعام 1980، الذي قرّر أنه ليس من شرعية قانونية للتدابير التي اتخذتها إسرائيل، والتي تتخذها، لتغيير الطابع الجغرافي والتكوين الديموغرافي ووضع الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة. وفي بندٍ آخر، يهيب القرار بجميع الدول عدم تزويد دولة الاحتلال "بأي مساعدةٍ يمكن استعمالها، خصوصاً فيما يتعلق بالمستوطنات في الأراضي المحتلة"، وهو ما انتهكته هذه المؤسسات. واستند المشرّعون في إصدار هذا القرار إلى قراري مجلس الأمن رقم 446 و452 لعام 1979، واللذان ينصّان على عدم شرعية إقامة الإسرائيليين مستوطناتٍ في الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة، كونه عملاً ينتهك اتفاقية جنيف الرابعة التي تنصّ على حماية المدنيين في وقت الحرب، علاوة على أن القرار رقم 452 يدعو دولة الاحتلال إلى وقف بناء المستوطنات.

موقف أعضاء الائتلاف قوي من الناحية القانونية، بعدما أقرّت المحكمة الجنائية الدولية ولايتها القضائية على الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد 1967

وبالنسبة إلى هذه الشركات والبنوك التي دائماً ما تأخذ باعتبارها مناطق النزاع والمخاطر الجانبية المحتملة قبل إقدامها على الاستثمار وتوظيف الأموال، لا يمكن القول إنها ليست على علم بأن النشاط الذي يرافق إقامة المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة والمساهمة في إقامتها هو عنفي يمارسه المحتلون الإسرائيليون بحق أصحاب الأراضي الأصليين، وهو جريمةٌ ضد الإنسانية؛ لأنه أبعدَ السكان الأصليين عن مناطقهم بالقوة، ونقلهم إلى مناطق أخرى. كما أنه جريمة حربٍ في الوقت عينه؛ لأنه ساهم في تدمير ممتلكات، واستولى عليها، من دون ضرورة عسكرية تبرّر ذلك. وهي بنودٌ تضمّنها نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية المعتمد سنة 1998.
يعدّ موقف أعضاء الائتلاف قوياً من الناحية القانونية، خصوصاً بعدما أقرّت المحكمة الجنائية الدولية ولايتها القضائية على الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد سنة 1967، وهو أمرٌ يساعد على تجريم الشركات والبنوك موضوع تقريرهم. كما أنّه يعدّ مهمّاً بالنسبة لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، سيما أنها سجّلت انتصارات عديدة أخيراً، تمثّلت بقرار شركة مثلجات أميركية التوقف عن بيع منتجاتها في مستوطنات الضفة الغربية، بعد المطالبات التي وصلت إليها من حركة المقاطعة. وكذلك رفع قضايا أمام المحاكم الأوروبية بحقّ شركات أوروبية تتعامل مع المستوطنات. وإذا لم تثمر هذه المساعي وقفاً للاستيطان، فإنها يمكن أن تساهم في تقليل الدعم الذي تتلقاه دولة الاحتلال للمضي في هذا الاستيطان، وتكشف للرأي العام عدم شرعيته. وهي إن لم تثنِ هذه الشركات والبنوك عن المضي في دعم الاستيطان، فإنها ستُظهر نفاقها وغياب الأخلاق لديها عبر مساهمتها في انتهاك القوانين الدولية وحقوق الإنسان، ما يؤثّر على أسهمها إن بانت حقيقها أمام أعين المساهمين فيها، على أقل تقدير.