في الانتقال من نقيض إلى نقيض

في الانتقال من نقيض إلى نقيض

14 يناير 2022
الصورة

(محمد المليحي)

+ الخط -

لا توجد مشكلة في تطور وعي الإنسان وإدراكه، فهذا هو الأصل مع تقدّمه سنّاً ومعرفة وخبرة، وهذا هو مسار أي إنسان طبيعي، وهو أمر محمود ويدل على نضوج. ولا يوجد شخصٌ، متمتعاً بكفاءة عقلية، إلا وتبقى أفكاره تتطوّر، بما قد يشمل تغيير قناعاتٍ ومواقف كانت يوماً صلبة عنده. المهم هنا أن تكون سياقات التطور في الأفكار والمواقف واضحةً وأطرها معلومة، وفي اتجاه سليم قطعاً. بمعنى أن لا تحدث فجأة ومن دون مقدمات منطقية. أما من انتقل بين ليلة وضحاها، ومن دون تسلسل منطقيٍّ ومنهجيٍّ جليّ، من ضدٍّ إلى ضدٍّ، فكراً وموقفاً، حينها يكون من الطبيعي إثارة تساؤلات عن طبيعة هذه التحولات الفجائية الجارية عنده وخلفياتها وغاياتها.

قد تبدو هذه الجدلية نوعاً من الترف الفكري، إلا أنها ليست كذلك، بل إن صدماتٍ كثيرة نتعرّض لها في هذه الحياة مرتبطة بها. ولعل أسرع ما يتبادر إلى الأذهان هنا نماذج كثيرة لمن كانوا يعدّون يوماً رموزاً، بغض النظر عن خلفياتهم، انتقلوا من مواقف، كانوا ينافحون عنها بضراوة، إلى نقيضها وضدها المباشر. ولا شك أن كثيراً منا سيحضر هنا أمثلة معاصرة، لثوار ومناضلين وإسلاميين ويساريين وليبراليين.. إلخ، وحتى علماء وفقهاء دين، انقلبوا على ما كانوا يدعون إليه ويحثّون عليه.

نماذج كثيرة لمن كانوا يعدّون يوماً رموزاً، بغض النظر عن خلفياتهم، انتقلوا من مواقف، كانوا ينافحون عنها بضراوة، إلى نقيضها

كلنا يعرف عن منظّري حرية وثوار، تحولوا هم أنفسهم ليكونوا قمعيين ومستبدّين، أو على الأقل اعتذاريين وجلاوزة في جوقات المستبدين. بدأ الزعيم السوفييتي، جوزيف ستالين، حياته ثائراً ضد حكم القياصرة الاستبدادي في روسيا، وانضم إلى الثورة البلشفية، فكان أن طورد واعتقل ونفي، إلا أنه عندما تسلم القيادة من فلاديمير لينين ما بين 1922 - 1953، بعد سقوط النظام القيصري عام 1917، مال إلى نمط الحكم الشمولي، وكانت النتيجة اعتقالات واسعة، وقمعا واستبدادا ونفيا، وعمليات تطهير عرقي بحق الملايين، فضلاً عن عمليات إعدام طاولت مئات آلاف من الناس. كذلك كان الحال مع الزعيم النازي الألماني، أدولف هتلر. وصل إلى الحكم عام 1933 معشّماً الألمان بإخراجهم من الكساد الاقتصادي الذي كان يحكم قبضته على العالم حينها. كما أنه عرف كيف يعزف على وتر الكرامة الوطنية المجروحة من الشروط المجحفة والمهينة التي فرضها الحلفاء الغربيون في معاهدة فرساي، عام 1919، على الإمبراطورية الألمانية المهزومة في الحرب العالمية الأولى. كانت النتيجة نظام حكم فاشيٍّ وشمولي، أشعل حرباً عالمية ثانية هُزمت فيها ألمانيا ومحورها في المحصلة.

ليس الأمر حكراً على غرب أو شرق، فهذا رئيس زيمبابوي السابق، روبرت موغابي، كان رمز النضال الزيمبابوي في الستينيات والسبعينيات ضد الاستعمار البريطاني. سُجن سنوات طويلة، وعاش في المنفى، وفي النهاية أنجز التحرير لشعبه عام 1980. لم تُقَصِّر الجماهير في ترميز الرجل. تولى قيادة بلاده منذ عام 1980، إلا أن رمز النضال والتحرير تحوّل إلى مستبد، يُزور الانتخابات، وَأَبَّدَ رئاسته، وزجّ بلاده في أتون توترات وعدم استقرار، وكانت النتيجة أن انقلب جيشه عليه عام 2017 عندما سعى إلى تهيئة زوجته لخلافته في الحكم، وحينها كان عمره 93 عاماً. ينطبق الأمر ذاته على كثير من تجاربنا العربية، في تونس مع الحبيب بورقيبة، وفي مصر مع جمال عبد الناصر.. والقائمة تطول.

معتقلو رأي سابقين، صمدوا في المعتقلات والسجون تحت التعذيب، ثم سقطوا في اختبار إغراءات السلطة

أيضاً، لا تعدم قائمة المنقلبين من الموقف إلى نقيضه معارضين عربا بُحتْ أصواتهم صراخاً يصمُّ الآذان ضد أنظمة حكم بلادهم، وعندما كشفت لهم السلطة عن ساق إذا هم ينقلبون على كل ما كانوا ينادون به. كذلك الحال نجده مع معتقلي رأي سابقين، صمدوا في المعتقلات والسجون تحت التعذيب، وسقطوا في اختبار إغراءات السلطة. ولا يشذ حتى علماء دين في هذا السياق. هذا يقودنا إلى خلاصة مفادها بأن الخلل ليس في تلك النماذج وخلفياتها فحسب، بل كذلك فينا، نحن الشعوب التي تستمر في صناعة رموز فاسدة، نقدّمها ونعلي من شأنها، ونضع ثقتنا فيها من دون ضمانات ولا تحوّطات، لننتهي إلى إعلان تفاجئنا وصدمتنا فيهم إن قلبوا لنا ظهر المجن، وتمرّدوا على ما كانوا يزعمونه من مبادئ لهم. لا ينبغي أن يكون ترميز أي شخص أو تيار على أرضية ما يزعمونه من قيم وثوابت ومواقف عندهم، بقدر ما ينبغي أن يكون على أرضية تمسّكهم بها وثباتهم عليها.