فلسطين والفراغ القيادي

فلسطين والفراغ القيادي

15 ابريل 2022
+ الخط -

تشهد ساحة الصراع الفلسطيني الصهيوني أحداثا متسارعة ومتعدّدة داخل فلسطين وخارجها، في حين تبدو الإنجازات الميدانية مائلةً لصالح الاحتلال الصهيوني، رغم توالي مظاهر المقاومة الشعبية وتصاعد أطوارها بين الفينة والأخرى، ورغم بعض النجاحات الفلسطينية على الصعيدين، العالمي والدولي، وجديدها تقرير منظمة العفو الدولية (أمنيستي)، الأمر الذي يفرض علينا التساؤل عن الأسباب الكامنة خلف محدودية الإنجازات الفلسطينية مقارنة مع حجم التضحيات والنجاحات أو الانتصارات المحقّقة، مع الإشارة إلى أنها ظاهرة قديمة نسبيا، تعود بنا إلى مراحل تاريخية سابقة، كالمرحلة التي أعقبت نكسة 1967 ومرحلة الاحتلال (الانتداب) البريطاني، لكنها اليوم أكثر وضوحا وأشد تأثيرا، بحكم المخاطر المحدقة بالقضية.

للظاهرة أسباب موضوعية وأخرى ذاتية، تتعلق الموضوعية منها بطبيعة الحركة الصهيونية ودورها، فالصهيونية حركة استعمارية إحلالية تعمل على إبادة سكان فلسطين الأصليين، من خلال جرائم التطهير العرقي والتهجير القسري والفصل العنصري تجاه الباقين منهم، كجزء من المشروع الإمبريالي تجاه المنطقة الذي يتطلب إدامة تخلف المنطقة وتفتتها. ومن أجل ذلك، عملت الصهيونية والدول الاستعمارية والإمبريالية على إيجاد أيديولوجية دينية تخدم هذا الغرض، عبر إيجاد أسطورة دينية ولغة مستحدثة موحدة وتحريف الحقائق التاريخية، من أجل بناء منظومة اجتماعية تستمد وحدتها من ديمومة الصراع. وعليه، تفرض الصهيونية وحلفاؤها الدوليون على الفلسطينيين صراعا تناحريا، لا يقبل الحلول الوسط. لذا نشهد تزايدا في الدعم اللوجستي والسياسي والمادي المقدّم للاحتلال بعد كل نجاحٍ يحقّقه الفلسطينيون ميدانيا أو سياسيا، من أجل منع تحوّل هذه النجاحات إلى إنجازاتٍ ميدانيةٍ يمكن البناء عليها لاحقا. في كل الأحوال، لن تتوسع المقالة كثيرا في الأسباب الموضوعية من أجل تسليط الضوء على أهم العوامل الذاتية التي نملك القدرة على تغييرها والمتمثلة في الفراغ القيادي.

لا يعبر الفراغ القيادي عن غياب القائد الفرد فقط، بل أيضا عن غياب المنظومة القيادية المؤسساتية، فغياب الأول ناتج عن الثاني، وحضوره نتاج حضورها كذلك. وهنا علينا تفنيد بعض المسلمات المغلوطة والشائعة، وليكن ذلك من خلال فهم التجربة الفلسطينية القيادية عبر العودة إلى الشخصية الفلسطينية الأشهر على هذا الصعيد، ياسر عرفات، التي تعدّ النموذج الأوضح للقيادة الفردية ذات التأثير الواسع داخل فلسطين وخارجها. فمن ناحية فردية، تميزت شخصية عرفات بجملة من السمات القيادية المهمة، كالجرأة والخطابة والمتابعة والاهتمام بالتفاصيل والعفوية والانخراط والبساطة، وهي السمات التي ساهمت في تبوئه مكانة خاصة داخل حركة فتح وخارجها، حتى طاولت تلك المكانة حاضنات منافسيه السياسيين على مر تاريخه، كما في جمهور الجبهة الشعبية وحركة حماس.

تزايد في الدعم اللوجستي والسياسي والمادي المقدّم للاحتلال بعد كل نجاحٍ يحقّقه الفلسطينيون ميدانيا أو سياسيا

تفتقد جل الشخصيات السياسية الفاعلة على الساحة الفلسطينية صفات عرفات الفردية، وفي مقدمتها محمود عباس، الذي يعتقد أن القيادة منصب ومكانة سياسية واجتماعية تضع صاحبها في قصر عاج متخيل معزول، ما يفقده البساطة والانخراط ومتابعة أدقّ التفاصيل، ليتحوّل إلى موظف بيروقراطي يتلقى جملة من التقارير لا أكثر ولا أقل، كما تفقده الاهتمام الناتج عن تلمس معاناة العامّة والإحساس والشعور بهم. أما امتلاك ميزة الخطابة والجرأة فهي لا تكفي وحدها لقيادة مرحلة وشعب وحالة وقضية، بل قد تضيف رصيدا شعبيا لا أكثر ولا أقل، وهو ما شهدناه في بعض خطابات القيادي الحمساوي، يحيى السنوار، وتحركاته، سيما بعد انتهاء معركة "سيف القدس". أما عباس فهو يفتقد هذه السمات أيضا، الأمر الذي يتجلى في ندرة خطاباته الجماهرية، وفي اختلاف طريقة حديثه وفحواه في الجلسات الخاصة مع المقرّبين عن تلك الموجهة إلى الشعب الفلسطيني، وعن أخرى موجهة إلى غير الفلسطينيين، وكأننا أمام شخصية متلوّنة وفق الحاجة والمكان والظرف، ما يفقده ثقة الشارع ويحدّ من تأثيره في هذا الشارع.

لكن وعلى الرغم من السمات الفردية القيادية سابقة الذكر، هناك بُعد حاسم في تحوّل ياسر عرفات من قائد فتحاوي إلى وطني؛ بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه؛ والمتمثل في منظومة القيادة الجماعية، تجسّدت في حينه في تركيبة حركة فتح، التي ضمّت في حينه نخبة من القيادات والمؤثرين السياسيين والعسكريين، من أبي جهاد وأبي إياد وماجد أبو شرار وفاروق القدومي وناجي علوش، وغيرهم كثيرون من رموز تلك المرحلة، فوجود "فتح" الزاخرة بالقادة الوطنيين البارزين والفاعلين ميدانيا حوّل قيادة عرفات "فتح" إلى قيادة عابرة للحركة.

لا يعبر الفراغ القيادي الفلسطيني عن غياب القائد الفرد فقط، بل أيضا عن غياب المنظومة القيادية المؤسساتية

وعليه، تعاني حركة التحرّر الفلسطيني اليوم من غياب المنظومة القيادية بعد تحوّل حركة فتح إلى حزب سلطة شكلية، وبعد انهيار اليسار الفلسطيني واضمحلاله وتفكّكه وميله نحو اليمين السياسي و"الأني جي أوز" الاجتماعي، وبحكم تخبّط هوية حركة حماس وهدفها بين تمثيل النضال الفلسطيني أحيانا والحركة الإسلامية في أحيان أخرى، وبين ضياع الهدف الرئيسي بين التحرّر وبلوغ السلطة والسيطرة عليها. من ذلك كله، لا تفتقد الحالة الفلسطينية المنظومة القيادية فقط، بل عاث الفساد والخلل في مجمل البنية السياسية الفلسطينية، الأمر الذي أدّى إلى خلل مركّب ومستفحل، يعيد إنتاج ذاته داخليا. لذا يصعب الاعتقاد، أو حتى التفكير في كسر هذه السلسلة اللامتناهية من إعادة إنتاج الذات المعطوبة، من دون عامل من خارجها يكسر حلقتها ويفرض عليها إعادة بناء ذاتها بشكل صحيح. وهنا لا يوجد عامل من خارجها أهم من حيوية المقاومة الشعبية الفلسطينية ونجاعتها، فتحوّل هذه المقاومة من عفوية إلى منظمّة ومتماسكة ومترابطة، على امتداد الوطن وخارجه، هو السبيل الوحيد المتاح اليوم لإصلاح الخلل البنيوي الفلسطيني، فضلا عن كونها سبيل تحرّر الفلسطينيين الوحيد اليوم.

في الختام، يتحدّث فلسطينيون كثيرون عن أزمة القيادة الفلسطينية، منطلقين من أنها أزمة عابرة، قد تنتهي بإمساك الشباب بزمام الأمور، متناسين أو غير واعين أنها أزمة منظومة كاملة، باتت تنتج قيادات مشوهة سلطوية وانهزامية تتملّق أي طرف تعتقد أن مصلحتها ترتبط به داخليا وخارجيا، كما في تملّق إيران وحكومات الدول المطبّعة ودول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والمنظومة العربية المعطوبة، وأخيرا كما في تملّق الاحتلال ذاته. وعليه، حان الوقت لكنس الأوهام من أجل بناء منظومة قيادية فلسطينية جديدة من رحم مقاومة شعبنا الحية داخل فلسطين وخارجها، منظومة تعيد وحدة الشارع الفلسطيني وارتباطها ووحدة القضية والأرض.