عُمان ودبلوماسية "نيوم" السعودية

عُمان ودبلوماسية "نيوم" السعودية

26 يوليو 2021
الصورة
+ الخط -

في خضم "التغيّرات" التي تشهدها منطقة الخليج العربي، جاءت زيارة سلطان عُمان، هيثم بن طارق، إلى مدينة نيوم السعودية، 11 و12 يوليو/ تموز الجاري، لتقدّم مؤشّراً إضافياً، على طبيعة السياسات الخليجية "الجديدة" في هذه المرحلة التي تشير إلى احتمال زيادة مساحة الحركة الدبلوماسية أمام السياسة العُمانية، القائمة على استمرارية النهج الدبلوماسي "المنفتح" على كل الأطراف الإقليمية والدولية، سعياً إلى إيجاد حلول "تفاوضية/ سياسية"، للأزمات الخليجية/ الإقليمية، خصوصاً اليمن والملف النووي الإيراني. وفي هذا الإطار، ثمة ثلاث ملاحظات حول التقارب السعودي العُماني، وانعكاساته المحتملة على الخليج واليمن والشرق الأوسط:
تتعلق الملاحظة الأولى باستفادة مسقط من متغيرات السياسة الأميركية، بعد وصول الرئيس جو بايدن إلى البيت الأبيض، وتوجهاته الدبلوماسية نحو الملفين، اليمني والإيراني، والتي تنطوي ضمناً على تقليص دور أبوظبي في اليمن وأغلب القضايا الإقليمية، على الرغم من حرصها الشديد على تسريع/ تعميق التطبيع الدبلوماسي مع إسرائيل. ويبدو أن اتهام وزارة العدل الأميركية الملياردير توم باراك، حليف الرئيس السابق دونالد ترامب، فضلاً عن اتهام رجل الأعمال الإماراتي راشد سلطان الشحّي، بعدم تسجيل نفسيهما ضمن لائحة الوكيل الأجنبي بموجب قانون "فارا" (FARA)، الذي ينظم عمل جماعات الضغط في الولايات المتحدة، سيكون إيذاناً بتآكل لتأثير لوبيات الإمارات في واشنطن، ما يؤكد تضاؤل صلاحية بعض أوراق أبوظبي السابقة، في التأثير على السياسات الأميركية تجاه الخليج والشرق الأوسط.
وفي سياق مقارن مع "الحالة الإماراتية"، ثمّة ما يؤكد مكانة عُمان واستمرارية دورها الجيواستراتيجي في منطقة الخليج العربي، استناداً إلى مميزات إرثها التاريخي وموقعها الجغرافي وسواحلها البحرية الطويلة، وارتباط أمنها وتجارتها تاريخياً بالصراعات البحرية (في بحر العرب، وشرق أفريقيا، وغرب المحيط الهندي)، أكثر من ارتباطها بصراعات شبه الجزيرة العربية، ما أدّى، في المحصلة، إلى أن تكون نقطة ارتكاز مهمة في الخليج والشرق الأوسط؛ على نحوٍ يعكس تصاعد دور مسقط، خصوصاً إبّان الحروب والأزمات الدولية والإقليمية.

اختطّت الدبلوماسية العُمانية "نهجها المتوازن"، في تطوير علاقاتها مع دول الخليج والدول ذات المصلحة في استقرار الأوضاع في الخليج

تاريخياً، احتفظت عُمان بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة؛ إذ أبرم السلطان سعيد بن سلطان بن أحمد البوسعيدي مع واشنطن "معاهدة الصداقة والتجارة" عام 1833. ثم جاءت "معاهدة الصداقة والعلاقات الاقتصادية وحقوق القناصل" عام 1958، في عهد السلطان سعيد بن تيمور. وفي أعقاب الثورة الإيرانية والغزو السوفياتي لأفغانستان، ورداً على معاهدة الصداقة والتعاون بين اليمن الديمقراطية الشعبية والاتحاد السوفياتي عام 1979، أبرمت مسقط في 4/6/1980، في عهد السلطان قابوس بن سعيد، اتفاقيةً تُسهل للولايات المتحدة استخدام المرافق العُمانية العسكرية في ثمريت وخصب ومصيرة؛ إذ استخدمت الطائرات الأميركية قاعدة مصيرة، في عملية تحرير الرهائن من السفارة الأميركية في طهران.
وعلى الرغم من وقوع أزماتٍ وحروبٍ إقليمية خطرة على مقربة من السلطنة، (مثل الحرب العراقية الإيرانية 1980- 1988، وحرب تحرير الكويت 1991، والغزو الأميركي للعراق 2003)، فقد اختطّت الدبلوماسية العُمانية "نهجها المتوازن"، في تطوير علاقاتها مع دول الخليج والدول ذات المصلحة في استقرار الأوضاع في الخليج، ونشطت في القيام باتصالاتٍ ثنائيةٍ وتحرّكات جماعية، والمشاركة في المستويات الدنيا من التعاون الإقليمي، مع الاستمرار في الدعوة إلى إقامة مستوياتٍ أعلى من العمل المشترك، إضافة إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع دول المنطقة كلها، على أساس احترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.
الملاحظة الثانية، تتعلق بالسياسات السعودية "الجديدة"، منذ قمة المصالحة الخليجية، في العُلا، 5 يناير/كانون الثاني الماضي؛ فثمّة ما يشير إلى انتقال الرياض، تدريجياً، إلى مرحلة تهدئة الصراعات الإقليمية، بسبب تزايد كلفتها "الاستنزافية"، سيما الصراع على اليمن الذي يبدو مقبلاً على عملية "إعادة تعريف"، ليكون صراعاً بين أطرافٍ يمنيةٍ داخلية، مع "إعادة ترتيب أوزان القوى الخارجية"، المتدخلة في الشأن اليمني، خصوصاً الإمارات، في ظل انكفاء أغلب اللاعبين الإقليميين والدوليين، على شؤونهم الداخلية، بهدف مواجهة تداعيات جائحة كورونا، سيما الاقتصادية منها.

يترقب الجميع كيفية تعامل بايدن مع تصاعد النفوذ الإقليمي لإيران، ودورها المزعزع للاستقرار في ملفات العراق وسورية ولبنان واليمن

الجديد هنا هو "دبلوماسية نيوم السعودية" التي ترتكز على توجهات سياسية/ اقتصادية/ سياحية/ ترفيهية، قائمة على مشروع ولي العهد، محمد بن سلمان، "رؤية 2030"، وروحها "النيوليبرالية". وضمن استراتيجية العلاقات العامة السعودية، تلعب مدينة "نيوم" دورها أداةً للقوة الناعمة، بما يعيد رسم الصورة الخارجية والاستثمارية للسعودية، فضلاً عن استقطاب المستثمرين والشركاء الدبلوماسيين والاقتصاديين، سواء أميركا وإسرائيل ودول أوروبية، أم روسيا، أم الصين وباكستان. .. وعلى الرغم من تلكؤ الرياض في التطبيع الدبلوماسي مع دولة الاحتلال، فهي لم تكن بعيدة عن اتفاقات التطبيع التي وقّعتها كل من الإمارات والبحرين والسودان والمغرب عام 2020، إذ يصعب تصور ازدهار مشروع "نيوم" من دون "انفتاح" سعودي وعربي على إسرائيل، يقوّي عملية إدماج الأخيرة في النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، أمنياً واقتصادياً وسياسياً.
ثمّة ثلاثة دوافع وراء تسريع "دبلوماسية نيوم السعودية" في هذه المرحلة؛ تداعيات سياسات الرئيس بايدن على الخليج العربي والشرق الأوسط عموماً، سيما أولوية الدبلوماسية لدى إدارته، ونتائج الانسحاب العسكري من أفغانستان والعراق، بغية التفرّغ للصعودين، الصيني والروسي. ثانيها تداعيات مفاوضات فيينا على إعادة تشكيل العلاقة بين واشنطن وإيران، على الرغم من استعصاء الاختراق في جولاتها الست الماضية؛ إذ يترقب الجميع كيفية تعامل بايدن مع تصاعد النفوذ الإقليمي لإيران، ودورها المزعزع للاستقرار في ملفات العراق وسورية ولبنان واليمن. وأخيراً توجهات بن سلمان البراغماتية، واكتشاف حدود القدرات السعودية في التأثير، خصوصاً عدم جدوى خيار "التصعيد المفتوح" والحملات الإعلامية الشرسة، سواء ضد اليمن أم قطر أم الكويت، ما يعني أن ثمّة عنصراً "إدراكياً" جديداً، دخل على سياسات الرياض، بمجرّد خسارة ترامب الانتخابات الأميركية. وربما يرجع بروز "دبلوماسية نيوم" أيضاً إلى استعادة "الدولة العميقة" في السعودية، توازناتها بعد اكتشاف طبيعة سياسات التوريط الإماراتية في اليمن خصوصاً، وفي العالم العربي عموماً، القائمة على تأزيم الأوضاع بما يُزيح منافسي أبوظبي، ويوسّع الفرص أمام دور الإمارات، عبر السيطرة على القرارين، السعودي والمصري، بكل تأثيرهما في العالم العربي.
تتعلق الملاحظة الثالثة بانعكاسات التقارب السعودي العُماني، يمنياً وخليجياً وإقليمياً، والذي يعزّز، على الأرجح، فرص تكريس الحوثيين "لاعباً محلياً شرعياً"، بحسب تصريح المبعوث الأميركي تيموثي ليندر كينغ، توطئةً لتهدئة الملف اليمني، وتدعيم دور الرياض، في تقديم المساعدات المالية والإنسانية والإغاثية، ربما استعداداً للتسوية اليمنية القادمة، في نطاق عدة أشهر، بما يؤدي لتخفيض، وربما إيقاف، العمليات العسكرية من جانب الحوثيين والسعودية، مع تكريس حقيقة صعوبة إحراز أي طرف انتصارا عسكريا واضحا في الصراع اليمني.

سيكون لتقارب الرياض مع مسقط تأثيره الحاسم؛ حيث ستضطر الإمارات إلى تهدئة خلافاتها مع الرياض

من جانب آخر، قد يعني دخول عُمان الساحة اليمنية، مدعومةً بالمواقف الأميركية والدولية والسعودية، "إعادة ضبط إيقاع" الحالة اليمنية ومنع تحولها إلى "الفوضى الشاملة"، مع احتمال التضييق على الأدوات المحلية لمشروع الإمارات، سواء كان المجلس الانتقالي الجنوبي أم مليشيات المدخلية السلفية، أم الأحزمة الجنوبية.. إلخ؛ إذ يُتوقع أن تلجأ واشنطن، وعواصم غربية أخرى، إلى الضغط في هذا الاتجاه، خوفاً من بلوغ اليمن نقطة "اللاعودة"، وتحويله إلى بؤرة فوضى إقليمية، تسمح بعودة تنظيمات جهادية مثل القاعدة أو داعش.
خليجياً، سيكون لتقارب الرياض مع مسقط تأثيره الحاسم؛ حيث ستضطر الإمارات إلى تهدئة خلافاتها مع الرياض، وهذا مغزى زيارة ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، السعودية، في 19 يوليو/تموز الجاري، وتأكيده أن "الشراكة بين الإمارات والسعودية قوية ومستمرة لما فيه خير البلدين والمنطقة". والأرجح أن حصول الإمارات على مكسب اقتصادي يسمح لها بزيادة حصتها الإنتاجية من النفط، ضمن تحالف "أوبك+"، جاء مقابل الاعتراف بالمكانة السياسية للرياض وتحالفها مع موسكو الذي لا يمكن أن تتحدّاه أبوظبي، كونه يجمع أكبر منتج ومصدر للنفط عالمياً.
وعلى صعيد إقليم الشرق الأوسط، ثمة ما يؤشّر إلى رغبة الرياض في دعم مواقف القاهرة والخرطوم، أقله دبلوماسياً، في خلافهما مع إثيوبيا بشأن سد النهضة وملئه وتشغيله. وبهذا المعنى، قد تنشط الدبلوماسية السعودية في إطار نوعٍ من الوساطات وبذل المساعي الحميدة، في هذا الملف، وربما تعود السعودية، جزئياً، إلى الحضور في الملف اللبناني أيضاً.
يبقى القول إن استمرارية التقارب السعودي العُماني مرتبطة بمتغيرات السياسة الأميركية، ورؤيتها لأدوار القوى الإقليمية الثلاث في الشرق الأوسط، إسرائيل وإيران وتركيا. وثمّة ما يشير إلى أن إدارة بايدن تعزّز موقعي تل أبيب وطهران إقليمياً، وتحاول تنشيط محور الاعتدال العربي القديم المصري السعودي الأردني، مع استمرار واشنطن في الضغط على الطرف التركي، لتقليص تفاهمات أنقرة مع موسكو، سيما في الملفين، السوري والليبي، أخذاً في الحسبان أن سيناريوهات هذه "المرحلة الانتقالية" في الشرق الأوسط تبقى حُبلى باحتمالات متعدّدة، ومنها احتمال انزياح كل من إيران وتركيا نحو علاقاتٍ أوثق مع "التنّين الصيني"، المنافس الشرس للولايات المتحدة الأميركية، سواء على صعيد الشرق الأوسط، أم الصعيد العالمي إجمالاً.