عن مؤتمر المناخ: "على من تقرأ مزاميرك ...؟"

عن مؤتمر المناخ: "على من تقرأ مزاميرك ...؟"

05 ديسمبر 2023

شعار مؤتمر المناخ "كوب 28" في دبي (30/11/2023/Getty)

+ الخط -

وافق ممثلو الدول المشاركة في مؤتمر الأطراف بشأن تغير المناخ (كوب 28) في دبي على إنشاء صندوق "الخسائر والأضرار"، من شأنه أن يدفع تكاليف الأضرار الناجمة عن العواصف والجفاف بسبب التغير المناخي. ويشير مصطلح "الخسائر والأضرار" إلى التأثيرات التي تعاني منها دول عديدة جرّاء العواصف والفيضانات وموجات الجفاف وغيرها، الناجمة عن التغيّر المناخي. وقد قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس: "تضاعف الحكومات، حرفيًا، إنتاج الوقود الأحفوري، وهذا يُسبّب مشكلة مضاعفة يواجهها الناس والكوكب". و"لا يمكننا معالجة كارثة المناخ من دون معالجة السبب الجذري لها: الاعتماد على الوقود الأحفوري".
تقرير فجوة الإنتاج، الذي أصدره كل من معهد استوكهولم للبيئة، ومعهد Climate Analytics، ومركز أبحاث E3G، والمعهد الدولي للتنمية المستدامة وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، ويُقيّم إنتاج الحكومات المخطط والمتوقّع للفحم والنفط والغاز مقابل المستويات العالمية المتوافقة مع درجات الحرارة المستهدفة في اتفاق باريس، صدر تحت عنوان: "هل نسير صوب الخفض التدريجي للوقود الأحفوري أم العكس؟ كبار منتجي الوقود الأحفوري يخططون لمزيد من الاستخراج على الرغم من تعهداتهم المناخية"، وهذا واقع بالفعل، خصوصا أن العالم الصناعي متطلّب، ولا تحتمل شركاته التباطؤ في الربح، أو خفضه. هذا ما يؤكّده أيضًا منشور على موقع الأمم المتحدة بتاريخ 8 نوفمبر/ تشرين الثاني: "كشف تقرير رئيسي جديد نُشر اليوم أن الحكومات تخطّط لإنتاج حوالي 110% من الوقود الأحفوري، بنسبة أكثر مما يتسق مع حد حصر الاحترار في حدود 1.5 درجة مئوية، وبنسبة 69% أكثر مما يتسق مع حد حصر الاحترار في حدود درجتين مئويتين".

تبقى الدول، بشكل دائم، تحت وطأة التهديد بأمنها، ما يتطلب منها تجديد منظومتها الدفاعية وتطويرها باستمرار

في الواقع، لا يفتقر العالم إلى المعلومات والدراسات والحقائق والوقائع التي تُنذر بالهلع من مصير كوكبنا، هذا المصير الذي يلتفّ بحباله حول عالم الجنوب، العالم الذي أنهكته الحروب والكوارث والتغيّرات المناخية والأزمات المحلية، فهل إنشاء هذا الصندوق يكفي من أجل حل المعضلات المهددة وجوديًّا لمئات الملايين من سكّان هذه المناطق المنكوبة؟ وهل هذا الصندوق، الذي لا تشكّل كتلته النقدية "ملاليم" بالنسبة إلى أرباح العالم الصناعي واستهلاكه من "الوقود الأحفوري" والطاقة "غير النظيفة"، خصوصا بالنسبة إلى شركات الصناعة الحربية في هذا العالم، يصنع فارقًا بالنسبة إلى الدول المتضرّرة؟ فهذه الشركات تحتاج أسواقا لتصريفها، سواء بإشعال حروب كبيرة، أو محلية، أو حروب استنزاف، أو إيجاد البيئة اللازمة للاقتناع بأهمية قوة "الردع"، فتبقى الدول، بشكل دائم، تحت وطأة التهديد بأمنها، ما يتطلب منها تجديد منظومتها الدفاعية وتطويرها باستمرار، وهذا ينجُم عنه بالتأكيد شراء الأسلحة الدائم، بل يستدعي رصد الاختصاصات، من أجل استمراره وديمومته، كما يقول إد. أرنولد، الباحث في مجال الأمن الأوروبي في مركز البحوث البريطاني، المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI): "عليك أن تخزّن كمية كبيرة من الذخيرة والوقود لاستمرار عمل آلة الحرب وتوفير الطعام للقوات المحاربة".

مبيعات المعدات العسكرية الأميركية في العام المالي 2022 بلغت 205.6 مليارات دولار، بزيادة قدرها 49% عن العام الذي سبقه

قالت، في ديسمبر/ كانون الأول 2022، منظمّة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، وهي منظمة حكومية تضم 38 دولة، وتعدّ تجمعًا للاقتصادات المتقدّمة مقرّها باريس: تقدّر كلفة تأثير الحرب في أوكرانيا على الاقتصاد العالمي بحوالي 2.8 تريليون دولار في نهاية العام المقبل (2023)، فمن المعروف أن من أبرز التداعيات الاقتصادية للحروب ارتفاع نسبة الأدوات المستخدمة في الحرب الحديثة، والتي تكون، في الأغلب، باهظة الثمن، وباهظة الكلفة أيضًا، وهذا يعني استهلاك وقود كثير. وقد شهد العام الماضي توقيع عقود جديدة لتزويد أوكرانيا بطريقة مباشرة بالأسلحة، أو إعادة تعبئة الأسلحة الأميركية المرسلة إليها، وأصبح مقاولو الدفاع الكبار الرابح الأكبر، بل مع استمرار الصراعات التي يشهدها العالم، أخيرا، سواء الغزو الروسي لأوكرانيا أو الحرب الإسرائيلية على غزّة، فإن ذلك عزّز إيرادات مقاولي الدفاع، خصوصا في الولايات المتحدة، ورفع أسهم شركات الصناعات العسكرية. وتتحدّث التقارير الصادرة عن مراكز الأبحاث أن مبيعات المعدات العسكرية الأميركية في العام المالي 2022 بلغت 205.6 مليارات دولار، بزيادة قدرها 49% عن العام الذي سبقه، أمّا واردات الأسلحة إلى إسرائيل منذ بداية حربها على غزّة، فلم تحدّد الأرقام بعد، كون الحرب ما زالت مستعرة، وما زالت إسرائيل أيضًا تُلقي بحممها على القطاع المنكوب، لتجهز على ما بقي من أبنيته ومرافقه وبناه التحتية، وأرواح المدنيين، في محاولة مفضوحة لتهجيرهم، هذا عدا حاملات الطائرات التي أرسلتها أميركا من أجل حماية "الكيان المحتل" الذي بدا في أكثر مراحله هشاشة، وما تحتاج هذه الحاملات والغواصات من وقود، حتى في حال بقائها تنتظر فقط.
نعم، يناقش زعماء العالم تغيّر المناخ في قمة الأمم المتحدة في دبي. بعد عام من الأحداث المناخية القاسية التي تم فيها تحطيم أرقام قياسية مناخية عديدة، ها هي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، على سبيل المثال، حيث تترامى الدول العربية، وتعيش الشعوب العربية أسوأ حقبها، تعاني من الحروب المتنقّلة من دولة إلى أخرى، تعاني من الكوارث، بين زلازل وفيضانات وأعاصير وسيول وانهيار سدود وحرائق غابات وارتفاع درجات الحرارة عن المعدّلات، وجفاف، وشحّ المياه وتراجع الزراعات وتربية المواشي، والأمراض والأوبئة والجوع والفقر والتشريد والتهجير، والحروب البينية التي قضت على معظم إمكانات النهوض، بل أدّت إلى انعدام القدرة على اتخاذ المبادرات من الحكومات الضعيفة أو المنقسمة والمتقاسمة السلطة في أكثر من دولة، وبالتالي، تردّي مستوى الوعي بكل أشكال الخطر البيئي وطرق اتقائها وحماية المنظومة الحيوية.

عالم أخضر؟ إنه عنوان جميل وبرّاق، لا يعدو أن يكون شعارًا أو حلمًا في بال بعض الحالمين

هل يكفي أن تنشئ الدول المجتمعة صندوق تعويض للعالم النامي؟ ماذا ستفعل هذه التعويضات أمام المشكلات المتجذّرة في هذه الدول الفقيرة؟ بينما يزداد العالم الصناعي ثراء وتغوّلاً في المنظومة الحيوية التي تعيش فيها كل شعوب الأرض، ويستهلك الوقود الذي تنتجه الدول النفطية، في علاقةٍ لازمة بينهما، عالم الأقوياء الذي تدفع قراراته بالاتجاه الذي يخدم مصالحها وجشعها للربح اللوبيات الاقتصادية، خصوصا المتعلقة بالتصنيع العسكري التي تستهلك كثيرًا من الوقود المنتج في العالم، والتي تدفع باتجاه استمرار الحروب، وجديدها أخيرا هذه الحرب الهمجية على قطاع غزّة، التي عادت واشتعلت بشراسة أكبر بعد زيارة وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن إلى إسرائيل. وما دامت الحروب مصدرًا رئيسًا لجني الثروات، فلن يرى أهل الدول النامية السلام أبدًا، ولا سيما في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وهنا من المفيد الإشارة إلى مقال جوناثان تورلي، في موقع الجزيرة نت، قبل سنوات، صرّح: "في ليبيا خلال الأيام العشرة الأولى من الحرب، أنفقت الإدارة الأميركية نحو 550 مليون دولار. ويشمل هذا المبلغ نحو 340 مليون دولار للذخائر، ومعظمها من صواريخ كروز التي تُستبدل باستمرار".
عالم أخضر؟ إنه عنوان جميل وبرّاق، لا يعدو أن يكون شعارًا أو حلمًا في بال بعض الحالمين، أمّا الواقع فإن عالمنا ينازع فيه قسم كبير من البشرية، بينما العالم القوي الذي يسمّم الكوكب، ويكتم أنفاس البشرية، ينشئ صندوق "تعويضات عن الخسائر والأضرار"، تدفع القسم الأكبر منه الدول المنتجة للنفط، وهو ممعنٌ في إحداث الخسائر والأضرار، فعلى من تقرأ مزاميرك يا داود؟