عن عنصرية متنامية في تركيا

عن عنصرية متنامية في تركيا

16 سبتمبر 2023
+ الخط -

"الأتراك عنصريون" عبارة يتداولها بكثرة اللاجئون والعرب في تركيا في الأشهر الأخيرة، سيّما بعد تكرار (وتواتر) حوادث الاعتداء وخطاب الكراهية والعنصرية ضدهم في تركيا، والتي أصبحت مرعبة ومخيفة، لم تستثن الأطفال ولا النساء ولا الشيوخ، حيث تصاعد الجدل كثيراً بشأن هذه المسألة، وخصوصاً على منصّات التواصل الاجتماعي، وانقسمت الآراء بين ثلاثة فرق رئيسية: أنكر الأول هذه الادّعاءات وتجاهل القضايا المثارة عنها، واعتبرها تصرّفات فردية موجودة في كل مجتمع وكل دولة. وشدد الثاني على خطورة العنصرية في تركيا، والتي تنم برأيه عن سياسات ممنهجة، وتبنّى منصّة تهويلية كال فيها الاتهامات للأتراك، حكومةً ومعارضةً وشعباً ووصفهم بالعنصريين. وسعى الفريق الثالث إلى تفسير ما يجري بأسلوب أكثر تبسيطاً، وحمّل المعارضة التركية المسؤولية بسبب خطابها العنصري الذي يحض على الكراهية.

بدايةً، لا بدّ من توضيح نقطة مهمّة، أنّ العنصرية آفة تصيب كل الشعوب، فهي قديمة ومعروفة منذ عصور عديدة، ولا تختص بشعبٍ دون آخر، أو عرقٍ دون آخر، أو دولةٍ دون أخرى، بل موجودة في كل مكان، وقودها الجهل والدعاية السوداء، ويمكن تصنيفها ضمن دائرة الأمراض النفسية التي تحتاج إلى معالجة للعودة إلى النهج الإنساني القويم.

لا تخرج مسألة العنصرية في تركيا عن إطار الفكرة السابقة، فشأنها شأن دول ومجتمعاتٍ كثيرة، قديمة متجدّدة. لذلك من ينكر العنصرية وخطاب الكراهية ضد اللاجئين والعرب في تركيا يعدّ كاذباً، فحالة العداء للعرب كانت منتشرة لدى فئة من المجتمع التركي في العقود المنصرمة، لكنها زادت بصورة جلية في الفترات الأخيرة نتيجة حملات التحريض الكبيرة التي سبقت (وأعقبت) الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي جرت في مايو/ أيار الماضي، في حين أنّ من يُطلق صفة العنصرية على كل الأتراك يعتبر مفتريا، ومضلّلا الرأي العام، فلا يمكن، بأي شكل، تعميم العنصرية على كل الأتراك، فالعنصرية في تركيا، رغم تزايدها في الفترة الأخيرة، لا تُمثل كامل الشعب التركي، وإنًما تُمثّل من يقوم بها من العنصريين الأتراك، على الرغم من أنهّم يسيئون لكل القيم والفضائل التي يقوم عليها المجتمع التركي.

وبالتالي، يمكن القول إن خطورة العنصرية في تركيا تنبع من مجموعة من الحقائق، أهمها أنّ أنيابا بدأت تظهر لهذه العنصرية، بعد أن انتقلت من مجرّد وقائع فردية قليلة تجاه اللاجئين عموماً، والسوريين منهم خصوصا، إلى ظاهرة واضحة ومتنامية لاحقت الجالية العربية من مقيمين وسيّاح وتجّار إلى جانب اللاجئين، إلى درجة أنّها طاولت بعض الأتراك المحافظين، لمجرّد أنهن يرتدين الحجاب.

حفرت العنصرية عميقاً في المجتمع التركي، وأصبحت تعبّر عن ثقافة مجتمعية آخذة في التنامي

يضاف إلى ذلك أنّ هذه العنصرية انتقلت من مجرّد حملات تحريضٍ على وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، إلى سلوكياتٍ تقوم بإيقاع الأذيين، المادي والجسدي، بالآخرين، أي أنّها انتقلت من مجرّد الأقوال إلى الأفعال، وهذا أيضاَ مؤشّر خطير، فشيوع هذه السلوكيات في أي مجتمع وتحوّلها إلى سعار مجنون، يصبح معها من الصعب السيطرة عليها، وبالتالي، قد تتطوّر لتصيب المجتمع التركي نفسه، ولن تقف عند حدود الأجانب واللاجئين فقط.

ومن الإيقاعات الخطيرة لهذه العنصرية المتنامية أيضاَ تبنّي معظم الأحزاب التركية المعارضة لها، سواء في خطاباتها أو سلوكياتها وممارساتها، في الوقت الذي لا تتعامل فيه الحكومة التركية مع هذه الظاهرة بشكلٍ جدّيٍ وحازمٍ، الأمر الذي يُحمّلها مسؤولية كبيرة، سواء لمنحها المعارضة هامشاً للتعبير عن خطاب الكراهية وممارسة العنصرية من دون حسابٍ أو جزاء، أم لعجزها عن التصدّي لهذه الظاهرة من متنٍ عريضٍ من العنصريين الذين أمِنوا العقوبة فأساءوا الأدب. وبالتالي، على الحكومة التركية أن تتلمّس خطورة ما يحصل، وخطورة العتبات التي وصلت إليها العنصرية، وتتّخذ ما يلزم من إجراءات قانونية زجرية وقاسية.

باختصار، تصاعد العنصرية في تركيا بحق اللاجئين والعرب أمر حقيقي وواقعي لا يمكن نفيه، لكن من الخطأ التعميم هنا، فليس من المقبول اتهام الشعب التركي بكليته بأنّه عنصري معادٍ للأجانب والعرب، في وقت لا يُعقل فيه إنكار وجود نسبة معتبرة بين الأتراك ممن هم عنصريون ومعادون للأجانب والعرب، وخصوصاً السوريين، فالعنصرية حفرت عميقاً في المجتمع التركي، وأصبحت تعبّر عن ثقافة مجتمعية آخذة في التنامي. لذلك أصبح من المفروض على الحكومة التركية أن تحارب العنصرية بسن القوانين واتخاذ العقوبات الزاجرة والناهية لوضع حدّ لها، لأنه مادامت لا توجد عقوبات قاسية وزاجرة ورادعة سيستمرّ الخط العنصري بالصعود إلى درجة قد يشكل خطرا على المجتمع التركي ككل.