عن خميس بيروت

عن خميس بيروت

16 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

يُمكن أن يُقال الكثير عما جرى في شوارع بيروت، أول من أمس الخميس، في التظاهرة التي دعا إليها حزب الله وحركة أمل لإطاحة المحقق في انفجار مرفأ بيروت، القاضي طارق البيطار. ومن الطبيعي أن موقع الحدث، في منطقة عين الرمانة ـ الطيونة، مستفزّ لذاكرة جماعية مسكونة بالهواجس والآلام، في مكان عُدّ حدوداً مذهبية بين المسيحيين والمسلمين طوال سني الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1990)، ولو كان أقلّ شهرة من خط تماسّ عين الرمانة ـ الشيّاح.

تظاهرة. إطلاق نار. تبادل لإطلاق النار. سقوط ضحايا. انتشار المتفرّج للقوى الأمنية بحجّة عدم القدرة على التحرّك إلا وفقاً لقرار سياسي، دائماً ما يكون غائباً أو معتمداً على مبدأ "التوافقية السياسية". اتهامات عشوائية. تهديدات متبادلة. الشعور بالخوف والإحساس بفائض القوة. ادّعاء المظلومية وتبنّي البطولة. استثمار الدّم والاستثمار في صور الضحايا. التشييع. إطلاق رصاص باسم الحزن. مواقف سياسية دولية متباينة. دعوات اعتيادية إلى ضبط النفس. إعلام غير مهني، يهدف إلى تحميل جهة واحدة كل ما جرى. ولأطراف كل قضية أو حدث إعلام موالٍ أو مناصر لها. مواقف سياسية أقرب إلى إلقاء القصائد من أجل استيعاب اللحظة الأولى، والاعتماد على الزمن لتبريد أحداث 14 أكتوبر/ تشرين الأول 2021، وأيضاً من أجل إخفاء عجز نظام الدولة وقوانينها. كلها عناصر حضرت يوم الخميس الطويل. لم تزدها حضوراً سوى وسائل التواصل الاجتماعي، الغائب شبه الوحيد عن يوميات حرب لبنان الطاحنة.

لا يجب العودة سوى إلى الأساس: من سمح بإبقاء الذاكرة مثقوبةً في الأحياء المسيحية ـ المسلمة المتقابلة؟ من سمح بالاستغلال الدائم لهذه النقطة من أجل استخدامها في أي لحظة، لتحقيق مآرب مصلحية تحت اسم "أهداف سياسية؟". لن تجد أسئلةٌ عديدة أجوبة حقيقية وفعلية لها، لأن قانون العفو الصادر في 26 أغسطس/ آب 1991 سمح لأمراء الحرب بعد انتهائها بالنفاذ بأفعالهم، والشعور بأنهم "قومٌ لا يُمسّون". وحاول كل منهم، على طريقته، إسباغ طابع البطولة والعظمة على "إنجازاته" الحربية.

مشهد الأطفال المرعوبين في المدارس هو نفسه عرفته مرتين، في عامي 1989 و1990. لكنني كنت، كأبناء جيلي، أعلم أن هناك حرباً، بسبب التردّد الدائم إلى الملاجئ. وهو ما لا يعرفه أطفال الجيل الحالي، ويجب ألا يعرفوه أصلاً. مقتل سيدةٍ في منزلها، مأساة تتكرّر بعد عقود من الاعتقاد بأنها انتهت، وإن دخلت الذاكرة. امرأة لا ذنب لها سوى وقوعها في مجال لإطلاق النار. ولو قُدّر لها سابقاً لكانت تركت البلاد إلى غير رجعة.

ما الذي سيحصل؟ سيستغل كثر، ولأسبابٍ شخصيةٍ وسياسيةٍ وحزبية، كل ما جرى يوم الخميس. وستظهر أقاويل وأخبار كثيرة. وستُرمى الاتهامات جزافاً. وسيعمل الإعلام على تزخيم كل شيء طائفياً وسياسياً. سيشعر اللبنانيون بخوفٍ مرعب. غير القادر على الهجرة سيُصبح مسكوناً بهاجس الأمان. سيقترب أكثر من طائفته، وسيبتعد أكثر عن الطوائف الأخرى. وفي لحظة انتخابية، إن حصلت في 27 مارس/ آذار المقبل، سيختار اليمين المتطرّف في طائفته، مسيحياً كان أم مسلماً. بعد هذه الانتخابات، سيكون الشارع قد هدأ. الماضي زاخرٌ بنماذج مماثلة، من أحداث جامعة بيروت العربية و7 أيار وقبرشمون والشويفات والحدث وسن الفيل، واعتصام وسط بيروت والاغتيالات والتفجيرات وتجميد المسار الدستوري للبلاد، وغيرها. بعد كل هذه الأحداث، حرفياً، يجلس جميع أطرافها على طاولةٍ واحدة. وهو ما سيحصل في لبنان بعد حين. لا عجب، فقد فعلوا ذلك بعد حرب لبنان، وسقوط عشرات آلاف الضحايا، وعدم معرفة مصير 17 ألف مفقود.

سيخرج من يقول: "هذه المرّة غير"، لكن التاريخ اللبناني لعين. لا شيء يتغيّر فيه، سوى تزايد غباء بعضهم، وارتفاع عدد مستغلّي الأحداث، والدوس على الذاكرة رغم نقائها ووضوحها.