عن خروج رواندا من الماضي وعنا

عن خروج رواندا من الماضي وعنا

18 نوفمبر 2021

فلاحون روانديون في عملهم في محيط كيبوي (Getty)

+ الخط -

بناءً على شبه يقينٍ بأن بلداننا العربية باتت من العجز بدرجةٍ أصبحت معها تحتاج معجزةً للخروج من الواقع الأسود الذي تعيشه، وتعيد الأمل إلى شعوبها، انطلق الإعلامي، علي الظفيري، مقدّم برنامج "المقابلة" الذي تبثه قناة الجزيرة، إلى أفريقيا للاطلاع من رئيس رواندا، بول كاغامي، على تجربة نهوض بلاده وخروجها من ماضي الفقر والحرب والمجازر. بعد أن رأى العرب معجزاتٍ من هذا القبيل اجترحتها الشعوب في اليابان وكوريا وفيتنام وماليزيا، ها هم يرون رواندا تفعل الأمر عينه، فهل يمكن تطبيق ذلك على الدول العربية؟ وما الموانع؟ مع العلم أن سبب نهضة رواندا الذي وجده الظفيري كان من البساطة بحيث قد يقال إنه لا يخطر على بال بعض الحكام العرب، بينما الحقيقة تقول إنهم يعرفونه، لكنهم يتّبعون كل السبل المتاحة أمامهم لمنع اعتماده.

في الحلقة الأولى من البرنامج، وقد بُثّت قبل أيام، نطق الظفيري بمرارةٍ بلسان جميع المُفقَرين واليائسين، حين قال: "أدركُ حجم الإحباط الذي يخيم علينا جميعاً، وما تعانيه كل فئات الشعب في هذه البقعة المظلمة من الكرة الأرضية المسمّاة عالم عربي، فأنا ابنٌ شرعي لمؤسسة اليأس الحاكمة من المحيط إلى الخليج". وكان هذا الإدراك دافعاً للظفيري إلى الذهاب بعيداً، إلى أفريقيا، للبحث عن ضوءٍ، لعله يكون أملاً يهتدي به حكام البلدان العربية لإخراج بلدانهم من تلك الظلمة، وإنقاذ شعوبهم من اليأس المقيم. وتلك محاولةٌ من محاولات كثيرة للإشارة إلى إرادةٍ تكوّنت لدى دولٍ للخروج من حال الفقر والضعف والمهانة واليأس.

على عكس الدول التي لا تستطيع الخروج من ماضيها، خطت رواندا خطواتٍ واسعة نحو النهوض الاقتصادي

على الرغم من مضي سنوات على الحرب في رواندا، إلا أن صور مجازر التطهير العرقي التي اقترفها الهوتو بحق أقلية التوتسي ما تزال ماثلة في عقول كل من عاصر تلك الفترة، وجزم بأن لا قيامة لهذه البلاد التي مزّقتها الجرائم العنصرية. لكن قادة البلاد قرّروا الخروج من تلك المرحلة الدموية وتبعاتها، فكانت أول خطوةٍ هي صياغة دستور يجرّم العنصرية، كما قال الرئيس كاغامي لمحاوره. وبموجب الدستور الجديد، بات محرَّماً استخدام التصنيف "هوتو وتوتسي"، بعد إلغاء هذا التصنيف في بطاقة الهوية الشخصية، لقطع جذور أي دافعٍ للتفرقة، وبالتالي القطع مع أحد مسبّبات الحرب، فالعنف والكراهية والعنصرية كانت أسباب جريمة إبادة جماعية أسفرت عن ثمانمائة ألف قتيل خلال مائة يوم فقط، بدءاً من إبريل/ نيسان 1994، في حربٍ عرقية استمرت أربع سنوات (1990 - 1994)، وتسبّبت في مقتل مليون شخص.

وعلى عكس الدول التي لا تستطيع الخروج من ماضيها، خطت رواندا خطواتٍ واسعة نحو النهوض الاقتصادي، مع التركيز على التنمية البشرية والتنمية المستدامة، فبعد إتمام عملية المصالحة وإجراء المحاكمات لتحقيق العدالة من أجل إغلاق ملف الحرب، اتجهت رواندا سنة 2000 إلى العناية بالاقتصاد، فاستغلت الحكومة ما يتوفر لديها من موارد. لذلك دعمت الحكومة زراعة الشاي والبن، واعتمدت اعتماداً كبيراً على السياحة التي تعدّ مورداً رئيسياً للبلاد من العملات الأجنبية. كما دعمت التعليم، واعتمدت برامج ساهمت بخفض معدلات الفقر. وساهم هذا بتصنيف رواندا بين الدول الأعلى نمواً في العالم سنة 2019، حين وصل معدل النمو فيها إلى 10%. كما صنفت العاصمة كيغالي من أنظف المدن في أفريقيا بعد النهضة العمرانية التي شهدتها.

إن كانت كلمة المشاركة بين القادة والشعب هي كلمة سر ما يجري في رواندا فإن هذه مفقودة في بلداننا العربية

وحين سأل مقدّم البرنامج الرئيس عن كلمة السر وراء هذا التحوّل الذي أدّى إلى نهضة تميز بلاده عن دول الجوار، وتشهد لها دول العالم، أجاب كالمتوقع، وكما أجاب رئيس وزراء ماليزيا، مهاتير محمد، مرّة في دمشق، وغيرهما من زعماء الدول التي استطاعت إنجاز نهوض اقتصادي فريد، كان الجواب بسيطاً، ردّه الرئيس الرواندي إلى الاستقرار الذي تحقق في البلاد، وجنَّبها خطر الزوال. إذ لمَّح إلى المصالحة التي جرت بين مكونات البلاد العرقية، حين قال إن الناس عادوا إلى التعاون بعضهم مع بعض، وتحقّقت وحدة صفٍّ بينهم. ونفى أن يكون هنالك سر وراء التقدّم والتطور الذي حصل، بل أرجع الأمر إلى موضوع فهم الناس، أي حاجاتهم وتطلعاتهم، وهو ما يمكن الانطلاق منه إلى مقاربة التحدّيات من أجل محاولة تذليلها.

وتحدّث عن نقطة، ربما تعتبر حجر الأساس الذي يعتمد عليه كل قائدٍ يطمح إلى التغيير الحقيقي، وإلى تحقيق الإنجازات، وهي المشاركة بين الشعب والقادة، واستفادة الجميع من السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي أدّت إلى التحول. وأضاف أنه وجب على قادة البلاد اعتماد المشاركة من أجل إرساء السياسات الاقتصادية والاجتماعية، والتأكّد من أن الجميع يعمل وفق هذا التوجه. وإن كانت المشاركة كلمة سر فإن كلمة السر هذه مفقودة في بلداننا العربية. وربما يعرف مقدّم البرنامج حقيقة تغييب دور الشعب في هذه البلدان، سواء لدى التشريع أو عند تطبيق السياسات. أما حين تريد الدول العربية إجراء إصلاحات، تكون إصلاحاتها فوقية، لا تهدف سوى إلى تثبيت أركان الأنظمة. كما أنه يعرف أيضاً المصير الأسود الذي ينتظر كل من يدلي برأيه، سواء لتصحيح مسارٍ أو إشارةٍ إلى خطأ، على الرغم من أنها بلدانٌ لم تعانِ ما عانى غيرها من حروبٍ أهليةٍ ومجازر وانقسامات.

على قادة البلاد اعتماد المشاركة لإرساء السياسات الاقتصادية والاجتماعية، والتأكّد من أن الجميع يعمل وفق هذا التوجه

لدى السؤال عن ضمانات عدم عودة البلاد إلى فترة الحرب والمذابح، أجاب الرئيس كاغامي إجابة بسيطة وواضحة: "لأننا لا نعمل في هذا الاتجاه، بل نعمل من أجل هدفٍ آخر، هو الوحدة والتنمية المستدامة، وتعزيز المؤسّسات، وفعل ذلك بطريقة مستدامة لأن الناس يعملون من أجل الغد، ويفهمون لماذا يفعلون ذلك". وبالنظر إلى هذه السياسة، ومحاولة البحث عن نظائر لها في الدول العربية، نجد أن قيادات دولٍ كثيرةٍ تعمل على إيجاد عوامل تفرقة بين أبناء الشعب الواحد، وتُبقي بؤر التوتّر مشتعلة، أو تبقي عوامل اشتعالها تحت الرماد. يندرج في هذا الإطار إصرار الطبقة الحاكمة في لبنان على الطائفية والتوزيع الطائفي وتحاصص البلاد طائفياً، وهو ما يمكن أن يؤدّي إلى نسف الاستقرار في البلد، ليضاف إلى سرقة مقدّراته ومنع أي سبيل من التنمية عنه؟ كما تندرج في هذا الإطار عمليات جرف أراضي أبناء سيناء وطردهم من قراهم، ما يمكن أن يؤدّي إلى انفجار اجتماعي في أي لحظة.

وبالنسبة للقانون والدستور، نجد حكاما عربا كثيرين يلجأون من لحظة اعتلاء السلطة إلى وقف العمل بالدستور وضرب المؤسسات من أجل تكريس القائد حكَماً بين أبناء الشعب، وإبراز الجيش المؤسسة الوحيدة القوية والفاعلة في البلاد. رأينا ذلك في مصر في عهد عبد الفتاح السيسي، ونرى الرئيس التونسي، قيس سعيّد، يمشي على هداه، ونرى عسكر السودان، ومحاولاتهم منع أسباب التغيير وضرب مؤسّسات البلاد، علاوة على محاولات منع أسباب الاستقرار بنكء جراح الحرب التي دائماً ما تكون سبيل الأنظمة لتكريس نفسها.