عن "زوبعةٍ" لم تهدأ بعد

عن "زوبعةٍ" لم تهدأ بعد

06 أكتوبر 2021
الصورة

من مؤتمر "السلام والاسترداد" في إربيل (24/9/2021/ فرانس برس)

+ الخط -

سبع مقاربات لافتة فرضت نفسها على خلفية مؤتمر أربيل الداعي إلى التطبيع مع إسرائيل تستدعي إمعان النظر. أولاها أن اثنين راودتهما فكرة هذا المؤتمر ووضعا خطّته، حيمي بيريس، ابن الرئيس الإسرائيلي الأسبق شمعون بيريس، وهو يدير "مركز بيريس للسلام والابتكار" الذي أسسه والده بغرض "ضمان قيادة إسرائيل كقوة تكنولوجية ذات قيم (...) وبناء جسور السلام" وجوزيف برود، يهودي من أصل عراقي، يدير "مركز اتصالات السلام" ومقرّه نيويورك. طبخا فكرة المؤتمر، في ما يبدو، على نار هادئة، لم يصل دخانها سوى إلى من شارك فيه، و"أعلن بكل قوة وضمير أنه راغب في الدخول في إطار السلام الإبراهيمي، بما فيه السلام الشامل مع إسرائيل"، والتعبير لبرود نفسه. ومنطقيا، لم يعمل الرجلان وحدهما في التحضير لهذا المؤتمر، إذ من الطبيعي أن يكون هناك طرفٌ أو أطرافٌ عراقية فاعلة قد شاركت، لكنها فضّلت أن تبقى في الظل، في الوقت الحاضر على الأقل.

ومقاربة أخرى، أن المؤتمر رفع شعار "السلام والاسترداد"، وإذا كانت مقولة "السلام" معروفة المعنى والهدف، فان كلمة "الاسترداد" تشي بغموض مقصود لتغطية الدعوة الى التطبيع.

رفع المؤتمر شعار "السلام والاسترداد"، وإذا كانت مقولة "السلام" معروفة المعنى والهدف، فان كلمة "الاسترداد" تشي بغموض مقصود لتغطية الدعوة الى التطبيع

ومقاربة ثالثة، إعلان الناطقة باسم المؤتمر، سحر الطائي (باحثة في وزارة الثقافة)، وعلى نحو صارخ، أنه "لا يحق لأية قوة، سواء كانت محلية أم خارجية أن تمنعنا من إطلاق هذا النداء". والمعنى الذي يحمله هذا الصراخ أن جهة تشكّل مصدر قوة وفعل وحماية تقف وراء كل هؤلاء "المطبّعين"، وأن الأيام المقبلة ستكشف ما هو مستور الآن!

ومقاربة رابعة، ظهور أحد قادة "الصحوات" التي أنشأها الأميركيون في مواجهة المقاومة الشعبية للاحتلال في المؤتمر، وسام الحردان، ودعوته إلى "الانضمام إلى اتفاقات إبراهيم والتطبيع مع إسرائيل" وإعلانه تراجعه، في اليوم التالي، قائلا إن الكلمة التي ألقاها كتبت له، ولم يكن يعرف مضمونها، واصفا التطبيع بأنه "متروك للحكومة" وأنه يدعو فقط إلى إعادة الجنسية لليهود العراقيين التي سحبت منهم في حينه!

ومقاربة خامسة، في ظهور علامات استفهام تخصّ تورّط دولة الإمارات في دعم المؤتمر، ومشاركتها "الناعمة" في التحضير له. وبالطبع، إسرائيل هي الداعم الأكبر، ومعها الولايات المتحدة.

علامات استفهام حول تورّط دولة الإمارات في دعم المؤتمر، ومشاركتها "الناعمة" في التحضير له

والمقاربة الأخيرة التي قد تُجهض أية خطوة لاحقة يحلم بها الداعون إلى التطبيع هي ردود الأفعال على المستوى الشعبي، الرافضة والمستنكرة، والتي امتدت لتشمل مسؤولين حكوميين وسياسيين وقياديين في أحزاب السلطة وشيوخ عشائر، لكن موجة رفض "رجال السلطة" مرّت، في البداية، على استحياء، ثم تصاعدت وتيرتها بفعل الضغط الشعبي، متوعدة، وداعية إلى فرض عقوباتٍ على كل من خطّط أو شارك أو حضر. وعلى هامش موجة التنديد والشجب هذه، تبودلت الاتهامات بين هذا الطرف وذاك، ووصلت إلى حد أن نائبا سابقا فضح ما سماها "وثيقة"، قال إنها طرحت، في مؤتمر لندن السيئ الصيت الذي عقده معارضو صدّام حسين في العام 2002، تعهّد الموقعون عليها بتبنّي فكرة الصلح مع إسرائيل مقابل إقدام الولايات المتحدة على وضعهم على رأس النظام الجديد. وأورد أسماء 87 ناشطا معارضا، قال إنهم وقّعوا على الوثيقة، ومعترفا أنه كان واحدا منهم. ووجّه برلماني آخر اتهاما مباشرا لسياسيين قال إنهم زاروا إسرائيل، وبينهم من تعاقد على مشاريع استثمارية فيها، بحسبه.

وعلى أية حال، لنا أن نسجل "فضيلة" واحدة على الأقل لمؤتمر أربيل، أنه حفّز ناشطين سياسيين ومثقفين للعمل على عقد مؤتمر مضادّ يؤسّس لمنصةٍ تظل في حالة انعقاد دائم لمناهضة التطبيع، وإجهاض كلّ توجّه يهدف إلى الصلح مع العدو، والتضامن مع أبناء فلسطين الذين يناضلون من أجل تحرير أرضهم، كما كان مناسبةً لأن تستعيد الذاكرة ما سطّره العراقيون من صفحاتٍ على امتداد تاريخهم الحديث في دعم قضية فلسطين ومساندة أهلها.

وسواء أراد مرتكبو "زوبعة" التطبيع من العراقيين الحصول على رضا جهاتٍ تضمن لهم الربح "الحرام"، أو كان الهدف مجرّد جسّ نبض من بيده القرار، أو معرفة الشعور العام لدى الناس العاديين، فإنّ الجهات الفاعلة، صاحبة الفكرة والتخطيط، لن تتخلّى عما تريده بسهولة. ومن المتوقع أن تقدم على خطواتٍ أكبر وأكثر، وهذا ما أراد أن يقوله وزير التعاون الإقليمي في حكومة إسرائيل، عيساوي فريج، الذي قال، في تصريح لافت له، إنّ العراق سيكون الدولة التالية التي قد تطبّع علاقاتها مع تل أبيب.

هذا كلّه يستدعي الحذر والترقب.