عنصريون بالفطرة

01 مارس 2021
الصورة

(جيلالي الغرباوي)

+ الخط -

نمارس، منذ الطفولة، بشكل فطري، عنصريةً قبيحة، حين نعتبر تسمية نوعٍ شائعٍ من الشوكولاته "راس العبد" مسألة عادية، لا تتضمّن إساءة لعرقٍ جرى عبر التاريخ استعباده وتسخيره بضاعةً تباع وتشترى، ومصادرة إنسانيته وحرمانه من الحرية والحياة الكريمة، بحيث اقتصر معنى وجوده عقوداً على الخدمة والذلّ والعبودية، من باب الاعتقاد بالتفوّق العرقي والأحقية بالحياة والاستيلاء على الثروات، مدعّماً بنظرياتٍ أنثروبولوجية بائدة ثبت بطلانها، قامت على وهم تفوّق عرق على آخر، بيولوجياً وثقافياً وحضارياً وأخلاقياً، وبرّرت أشكال الممارسات الفردية والمجتمعية التي تقوم على التمييز بين الأعراق المختلفة. وإضافة إلى التمييز بين الأفراد على أساس الجنس أو الدين أو الانتماء السياسي، غالباً ما نتفوّه بعباراتٍ أو نطلق نكاتاً تبدو بريئة لا تضمر أي تجريح متعمد، غير أن التأمل فيها يدفعنا إلى استنتاج أنها تنطوي على عنصريةٍ بغيضةٍ، تسللت إلى لاوعينا، نعبر عنها في خطابنا اليومي من دون إدراك كبير، مثل إقدامنا على استهداف أبناء منطقةٍ ما من بلدٍ ما بالطرائف والنكات الساخرة التي تظهرهم جماعة من الأغبياء محدودي الذكاء، وهذه ظاهرة سلوكية متعارَف عليها، تحدُث في كل بلاد الدنيا، غير أنها تشي بموقف عنصري، مبنيٍّ على التنميط وإطلاق الأحكام المسبقة.
وتتّخذ العنصرية أشكالاً مختلفة في داخل المجتمعات، لعل أكثرها قسوة ما يتعرّض له اللاجئون من اضطهاد وتمييز، بسبب معوقات انصهارهم في مجتمعاتهم الجديدة. كذلك يدفع أصحاب المعتقد الديني المختلف في بعض المجتمعات المتطرّفة ثمن ذلك الاختلاف، اضطهاداً وحرماناً من الحقوق المدنية والدستورية من مساواة وحرية ممارسة العبادة، باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية، يطلق عليهم، في أحسن الأحوال، اسم أقلية. ويثور الخلاف العقيم أحياناً بشأن جواز تقلدهم مناصب عليا أو الترحم على موتاهم أو تهنئتهم بمناسباتهم الدينية. كذلك يتعرّض المعارضون السياسيون للقمع والمنع من التعبير عن أفكارهم، وأحياناً التصفية الجسدية، أو التعفّن في السجون طوال الحياة، عقوبةً على مواقفهم السياسية، غير المنسجمة مع توجه حكوماتهم.
أما مظاهر العنصرية بسبب الجنس فإن الشواهد عليها في مختلف بقاع العالم أكثر من أن تُحصى. حتى في أكثر الدول تقدّماً تشكو المرأة من عدم المساواة في الأجور مع زميلها الرجل، إضافة إلى معاناتها من التمييز والتحرّش الجنسي والعنف الأسري. وتتفوق مجتمعاتنا الشرقية، بشكلٍ مثيرٍ للخزي والعار، في مجال التمييز ضد المرأة، واعتبارها ضلعاً قاصراً وممارسة وصاية جائرة عليها، كونها ناقصة عقل ودين، حيث تعمل الثقافة السائدة على الحطّ من شأنها، والاستهانة بحياتها، وتبرير الاعتداء على حقها في الحياة، بذريعة الشرف، كما تساهم الثقافة الشعبية في تكريس الجو المعادي للمرأة، حيث يحفل الموروث بأمثالٍ ومقولاتٍ كثيرة، تؤكّد هذا النهج المقيت، مثل "همّ البنات للممات" و"البنت بتجيب العار والمعيار وبتدخل العدو الدار" و"إن ماتت أختك انستر عرضك وإن مات أخوك انكسر ظهرك". وغيرها الكثير الكثير من المفاهيم الراسخة عن أفضلية الرجل، وتدنّي مرتبة المرأة، وبالتالي تقليص فرصها في التمكّن والتقدّم والنجاح، وتتبنّى القوانين والأنظمة والتشريعات هذا التوجه العنصري، من خلال التمييز في فرص العمل والتعليم وسن التقاعد.
يعتبر علم الاجتماع العنصرية من سمات البشرية، وهذا تشخيصٌ دقيقٌ لطبيعة البشر، حيث الصراع هو عنوان العلاقات الإنسانية. وعلى الرغم من قتامة المشهد وقسوته، إلا أن الأمل يظل معقوداً على تلك القلة القليلة من المناضلين الشجعان، أصحاب العقول المتفتحة والضمائر الحية والرؤية الثاقبة التي تقاوم كل ذلك السواد بتعظيم قيم المحبة والجمال والمساواة، وهي الناجية من شرّ هذا الداء العضال الذي ينخر إنسانيتنا، ويفضي بها إلى التهلكة.