عندما يصبح الصدر "صانع ملوك"

عندما يصبح الصدر "صانع ملوك"

20 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

يريد زعيم تياره في العراق، مقتدى الصدر، أن يقنعنا بأن مهمة حكومته "الأبوية"، كما أسماها، هي تنفيذ البنود التي أطلقها في "خطاب النصر" عشية ظهور نتائج الانتخابات البرلمانية، ومعنى ذلك، لو صحّ، أنه سيشعل شمعةً في آخر النفق الطويل الذي عشنا في ظله عشرين عاماً. ولو فعل هذا حقاً يكون قد انتزع نفسه من غطاء إيران، ونأى بها عن "المليشيات" والأحزاب التي تدين بالولاء لولاية الفقيه، وتلتزم توجيهات طهران. لكن هل يفعلها الصدر، وهو "المجرَّب" مرّات، والمعروف بكثرة تناقضاته وسرعة تقلباته الزئبقية، والمشهور بإعلاناته الإصلاحية "الوطنية" التي يتحدّث عنها في الليل، ويتنصّل منها في النهار؟

ثم، هل يستطيع أن يطوي شعاره عن "تقوية الدين والمذهب"، وهو الشعار "الملغوم" الذي سعى إلى تكريسه عملياً منذ صنع، غداة الغزو الأميركي للبلاد، مليشيا "جيش المهدي" الطائفية التي ولغت بدماء مئاتٍ من علماء وأكاديميين ومهنيين وضباط الجيش السابق؟ ألا يحيلنا هذا الشعار إلى رؤية دينية - مذهبية ضيقة، تُنكر الآخر وتكفّره وترفض حقه في الاختيار. و"الآخر" في العراق متنوّع بحكم طبيعة البلاد التاريخية والجغرافية، وقد جمع الهويات الثانوية المختلفة وطن واحد وهوية موحِّدة (بكسر الحاء)، واختزال هذا التنوع التاريخي في دين أو مذهب يعني "اختزال" الوطن وتقسيمه وتشظيته وإلغاء المواطنة الحرّة المتساوية، ويضع في خانة الخصوم المفترضين كل من يعتقد بدين أو مذهب آخر غير ما يعتقد به الصدر؟

يعد الصدر بتصدّي حكومته للفساد وللفاسدين، وتأكيده على "أننا سنزيح الفساد بدمائنا"، ولكن ماذا عن فساد وزراء التيار الصدري؟

ولكي نوصل الصدر إلى باب الدار، كما كان يقول أجدادنا، دعونا نقرأ بعض ما ورد في "خطاب النصر"... يبلغنا الصدر أنّ أحد أهداف حكومته القادمة حل المليشيات وحصر السلاح بيد الدولة، وهو أول من حاول أن يشرعن سلطة المليشيات بدايات الغزو الأميركي، إذ أنشأ "جيش المهدي" ثم "لواء اليوم الموعود" وبعدهما "سرايا السلام"، وصولاً إلى "القبّعات الزرق" التي فتكت بثوار تشرين، وقتلت وأصابت العشرات منهم، وفي كل مرّة، يظهر الصدر لينكر ما فعلته تلك المليشيات بالناس، ويلقي المسؤولية على بعضٍ من مقرّبيه ويبعدهم عن حظيرته، لكنه سرعان ما يعفو عنهم بعد حين، ويعيدهم إليها، كيف يمكننا أن نصدّق، إذاً، وعده لنا، وفي ذاكرتنا تلك المشاهد السوداء المخضّبة بالدم، أما كان بإمكانه أولاً أن يبرهن على ذلك عملياً، فيُقدم على حل مليشياته، ويضع أسلحته بيد الدولة؟

أيضاً، يذكّرنا الصدر بحكاية "هيبة الدولة"، معبّراً عن حرصه على إعادتها، وهو واحد ممن سقطت "هيبة الدولة" على أيديهم، وباتت في خبر كان، والشواهد أكثر من أن تُحصى.

وبعد هذا يعدنا بتصدّي حكومته للفساد وللفاسدين، وتأكيده على "أننا سنزيح الفساد بدمائنا"، وماذا عن فساد وزراء التيار الصدري، الصحّة والكهرباء على وجه الخصوص، وقد انتشرت رائحة الفساد في الوزارتين، ولدى هيئة النزاهة بخصوصهما عشرات الملفّات "النائمة" التي لا يمكن لأحدٍ إيقاظها سواه، وقد دعاه مرّة برلمانيون لأن يتحمّل مسؤوليته، فيحاسب وزراءه الذين تورّطوا في عقودٍ أضرّت بمواطنيه، كعقود الكهرباء والأدوية وسواها، لكنه فضّل عدم الرد، وهو يعرف أن "الهيئة الاقتصادية" التابعة لتياره هي التي تتعاقد وتساوم وتشتري وتبيع. وبالطبع، لتياره حصة الأسد، وللآخرين حصصهم بالضرورة!

يسعى مقتدى الصدر عبر "فائض القوة" إلى فرض هيمنته على الفضاء السياسي

هذا كله غيضٌ من فيض، ولا يستطيع مقتدى الصدر أن يُنكره أو يتجاهله، لكنه يغضّ الطرف عنه، منطلقاً من "فائض القوة" الذي كسبه نتيجة اختلال موازين القوى وبروز معادلاتٍ زائفةٍ فرضتها "العملية السياسية" التي اخترعها الأميركيون بعد الغزو واستثمرها الإيرانيون، وساهمت أيضاً في ذلك "شعبويّته" المصطنعة في أوساط فقراء الشيعة الذين ما زالوا بعد عشرين عاماً على ولادة "العراق الجديد" يبحثون عن مقوّمات عيشٍ كريمٍ يليق بالبشر في بلدٍ لا يوفّر لهم سوى مواكب اللطم، والوعد بظهور المهدي الذي يجيء ولا يجيء!

عبر "فائض القوة" هذا، يسعى الصدر إلى فرض هيمنته على الفضاء السياسي، جاعلاً من حميه الصدر الأول (محمد باقر) مرجعاً مقدّساً ليس لأسرة الصدر نفسها فحسب، ولا لفريقٍ من أبناء المذهب الشيعي، لكن للناس كلهم من آمن ومن لم يؤمن، ويتوكأ الصدر على تاريخ أسرته كي يكتسب القداسة التي يريدها ممتدّة له، والتي لا تسمح بخروج أحدٍ على طاعته، كما تكرّس الإيمان به زعيماً دينياً، وأيضاً زعيماً لحركة سياسية وصانعاً للملوك، والمهمة الأخيرة هي التي جنّد نفسه لها اليوم، فهل ينجح في أدائها أم يجد لنفسه مخرجاً في خطابٍ جديدٍ ينسف ما قبله؟