عملية صنع قرار الحرب على غزة

عملية صنع قرار الحرب على غزة ومواقف القوى والأحزاب الإسرائيلية

24 مايو 2021
الصورة

آثار دمار في تل أبيب إثر إطلاق المقاومة صواريخ من قطاع غزة (15/5/2021/فرانس برس)

+ الخط -

شنت إسرائيل في 10 أيار/ مايو 2021 حربًا هي الرابعة على قطاع غزّة الذي يرزح تحت الحصار منذ عام 2007. تعالج هذه الورقة عملية صنع قرار الحرب الإسرائيلية ضد القطاع، ودور المؤسسة العسكرية فيها، والأسباب التي حدت برئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى شنّها، ومواقف الأحزاب والقوى الإسرائيلية منها.
عملية صنع قرار الحرب في إسرائيل
ينص قانون الأساس للحكومة الإسرائيلية على أنها الجسم الوحيد المخوّل باتخاذ قرار الحرب، أو القيام بعملياتٍ عسكريةٍ واسعة قد تقود إلى حرب. ويمنح "قانون أساس الحكومة"، الذي عُدّل عام 2018، الحقّ للحكومة بتخويل لجنة وزراء اتخاذ قرار الحرب. ومنذ العام نفسه، تخوّل الحكومة الإسرائيلية الكابينت السياسي الأمني باتخاذ قرار الحرب. ويتكون هذا من رئيس الحكومة ووزراء الأمن والخارجية والمالية والأمن الداخلي والقضاء، ومن وزراء آخرين يعيّنهم رئيس الحكومة، شريطة ألا يزيد عدد الأعضاء فيه على نصف عدد الوزراء في الحكومة. ويتشكل حاليًا من 12 وزيرًا، وستة وزراء مراقبين، نصفهم محسوبون على حزب الليكود وحلفائه، ونصفهم الآخر على حزب "أزرق أبيض" وحلفائه. وإلى جانب الوزراء والمستشار القضائي للحكومة، يشارك في اجتماعات الكابينت التي تناقش قضايا الحرب قادة المؤسسة العسكرية والأمنية، وفي مقدّمهم رئيس الأركان، وقادة أسلحة الجيش الإسرائيلي الجوية والبحرية والبرّية، وقادة الجبهات ورئيس غرفة العمليات العسكرية، ورئيس الاستخبارات العسكرية (أمان)، ورئيس المخابرات الداخلية (الشاباك)، ورئيس المخابرات الخارجية (الموساد)، ورئيس هيئة الأمن القومي. ويصل عدد المشاركين في اجتماع الكابينت في أوقات الحرب إلى نحو 35 مشاركًا. وبعد اتخاذه القرارات بشأن الحرب، يتابع رئيس الحكومة ووزير الأمن ورئيس هيئة الأركان مجريات الحرب التي يقودها رئيس الأركان لتحقيق الأهداف التي يحدّدها الكابينت.

يعتمد مدى نفوذ وزير الأمن وتأثيره في عملية اتخاذ قرار الحرب على عدة متغيرات، من بينها خبرته في شؤون الأمن القومي، ومدى قوته السياسية داخل الحكومة

ومن ناحية أخرى، يتمتع رئيس الحكومة بصلاحياتٍ واسعةٍ ومهماتٍ متعدّدة على نحو يجعل الحكومة الإسرائيلية توصف بأنها حكومة رئيس الوزراء؛ فهو الذي يقود الحكومة ويرأس جلساتها ويحدد جدول أعمالها ويتمتع بصلاحية إقالة أي وزير، كما أن استقالته تعدّ استقالة للحكومة، وهو الذي يعيّن رئيسَي جهازي الشاباك والموساد، ويرأس الكابينت السياسي الأمني ويحدّد وقت اجتماعه وجدول أعماله وأولوياته، وتقع تحت مسؤوليته المباشرة هيئة الأمن القومي التي تقدّم له التحليلات والتوصيات والبدائل في قضايا الأمن القومي. 
أما قانون أساس الجيش الإسرائيلي فينص على أن الجيش هو جيش الدولة، وأنه يخضع لسلطة الحكومة، وأن وزير الأمن هو الوزير الذي تعيّنه الحكومة وزيرًا على الجيش، وأن رئيس هيئة الأركان العامة للجيش هو المسؤول القيادي الأعلى داخل الجيش. ولا يوجد منصب القائد العام للقوات المسلحة، ويخضع رئيس أركان الجيش لسلطة الحكومة أو الكابينت السياسي الأمني مجتمعًا؛ ما يجعل الحكومة مجتمعةً بمنزلة القائد العام للقوات المسلحة، أي إنه في إمكان رئيس الأركان رفض أمرٍ من وزير الأمن أو رئيس الحكومة أو كليهما، للقيام بعمليةٍ عسكريةٍ كبيرة أو عملية نوعية، أو شن حرب، إذا لم يُتخذ القرار في الكابينت السياسي الأمني. ويعتمد مدى نفوذ وزير الأمن وتأثيره في عملية اتخاذ قرار الحرب على عدة متغيرات، من بينها خبرته في شؤون الأمن القومي، ومدى قوته السياسية داخل الحكومة؛ فهو ليس قائدًا للجيش، وليس من حقّه توجيه الأوامر إليه. أما رئيس الأركان فيقوم بدور مهم، وفي بعض الأحيان بدور حاسم، في عملية صنع القرارات التي تخصّ الحرب، سواء في قرار الشروع فيها أو في قيادتها لتحقيق أهدافها أو في توقيت وقفها، فالمؤسسة العسكرية بقيادة رئيس الأركان لا تزال هي المؤسسة الأساسية التي تقرأ الواقع الاستراتيجي العسكري من خلال جهاز "أمان"، وهي التي تفسّره وتقدّم تقدير الموقف والاقتراحات المتعدّدة للكابينت السياسي الأمني عما ينبغي القيام به. ويضطلع رئيس الأركان أيضًا بدورٍ مهم في بلورة ما ينبغي القيام به في الاجتماعات والمشاورات الرسمية وغير الرسمية التي يجريها مع رئيس الحكومة ووزير الأمن.
استعدادات الحرب على غزة  
أولت إسرائيل في السنوات الأخيرة أهميةً كبيرةً لعملية كشف الأنفاق في قطاع غزة وتعطيلها. ففي عام 2017، بدأت في بناء جدار من الإسمنت المسلح بعمق عدة أمتار في باطن الأرض على طول حدودها مع قطاع غزة التي تمتد 65 كيلومترًا، وزوّدته بمنظومات إنذار، واستكملت بناءه عام 2019. وفي عام 2018، أقامت إسرائيل جدارًا في البحر على طول حدودها مع قطاع غزة. وطوّرت في السنوات الأخيرة تكنولوجيا متقدّمة لكشف الأنفاق، لا سيما تلك التي تصل إلى حدود قطاع غزة مع إسرائيل.

شكّل إطلاق حماس صواريخ تجاه القدس، نصرةً للمسجد الأقصى وأهالي حي الشيخ جراح، مفاجأةً كبيرة للجيش الإسرائيلي

إلى جانب ذلك، أوْلى الجيش الإسرائيلي في العقد الأخير أهمية كبيرة لتطوير قدراته في مجال "السايبر" وعملية جمع المعلومات لمصلحة المخابرات العسكرية، لا سيما في الحرب غير المتناظرة بين إسرائيل وفصائل المقاومة. وفي عام 2009، أقام الجيش الإسرائيلي هيئة السايبر في الوحدة 8200 التابعة لجهاز "أمان"، وجرى تطويرها على نحو كبير في الفترة التي رأس فيها أفيف كوخافي الجهاز في الفترة 2010 - 2014. ومنذ توليه رئاسة الأركان في بداية عام 2019، عزّز كوخافي دور هيئة السايبر في مجال جمع المعلومات لـ "بنك الأهداف" التي سيتم قصفها في قطاع غزة في حال وقوع حرب، مثل الأنفاق والبنى التحتية للمقاومة ومنازل قادتها وكوادرها، إلى جانب عملها في جمع المعلومات في أثناء سير المعارك، وزيادة التنسيق بينها وبين جهاز الشاباك، من أجل تزويد الطائرات بمعلوماتٍ عن الأهداف في أثناء سير المعارك. 
أسباب نتنياهو لشن الحرب على غزة
شكّل إطلاق حركة حماس صواريخ تجاه القدس، نصرةً للمسجد الأقصى وأهالي حي الشيخ جراح، مفاجأةً كبيرة للجيش الإسرائيلي، إذ كانت الفرضية السائدة في أجهزة الأمن الإسرائيلية أن "حماس" وفصائل المقاومة الأخرى في قطاع غزة لن تبادر إلى قصف العمق الإسرائيلي بالصواريخ من أجل قضية غير مرتبطة مباشرة بالقطاع والحصار المفروض عليه. وعلى الرغم من أن الصواريخ التي أطلقتها حماس تجاه القدس لم تُلحق أضرارًا كبيرة، وكان في إمكان إسرائيل استيعابها أو الردّ عليها بما يتناسب معها، فإن نتنياهو انتهز الفرصة لشنّ حربٍ على قطاع غزة لتحقيق أغراض سياسية بحتة؛ فالحرب تعطيه ورقة ضغطٍ مهمة على الأحزاب اليمينية في المعسكر المناوئ له، لإفشال سعيها إلى تشكيل حكومة بديلة. وقد ساعدت الحرب في رفع مستوى الممارسات العنصرية ضد العرب داخل الخط الأخضر التي وصلت إلى ذروة جديدة في المجتمع الإسرائيلي. وقد أجّج نتنياهو، في الأيام الثلاثة السابقة على الحرب على قطاع غزة، المشاعر العنصرية على نحوٍ سافرٍ ضد العرب بسماحه لغلاة اليهود اليمينيين التظاهر في القدس، وتشجيعهم على مهاجمة العرب في القدس، والسماح للشرطة الإسرائيلية باقتحام المسجد الأقصى. وفي هذه الأجواء، توافقت مصلحة نتنياهو السياسية في شن الحرب مع تنامي العنصرية ومشاعر الكراهية ضد العرب في المجتمع الإسرائيلي، ومع رغبة قيادة الجيش الإسرائيلي في استعادة قوة الردع وإلحاق أضرار كبيرة بالبنية التحتية لفصائل المقاومة في غزة من دون أن تدفع ثمنًا كبيرًا. وبناء عليه، حدد الكابينت السياسي الأمني أهداف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في: أولًا، توجيه ضربة لقدرات المقاومة القتالية، لا سيما الصاروخية. ثانيًا، توجيه ضربة لقدرة المقاومة في إعادة بناء قدراتها العسكرية. ثالثًا، استعادة الردع الإسرائيلي تجاه المقاومة في غزة.

أجمعت الأحزاب الإسرائيلية، سواء في الائتلاف الحكومي أو في المعسكر المناوئ لنتنياهو، على تأييد العدوان على غزة

أما "حماس"، فإذا كان هدفها من إطلاق الصواريخ على القدس هو توسيع مجال الردع، ليشمل قضايا غير مقتصرة على الدفاع عن غزة، وربط نفسها بقضية القدس بحيث تتحوّل إلى قوة سياسية وازنة، فإن الجيش الإسرائيلي أراد ردع هذا الردع وتبيين تكلفته.
مواقف الأحزاب الإسرائيلية 
أجمعت الأحزاب الإسرائيلية، سواء في الائتلاف الحكومي أو في المعسكر المناوئ لنتنياهو، على تأييد العدوان على غزة. وقد سادت في المجتمع الإسرائيلي، عشية الحرب وخلالها، أجواء عنصرية معادية للعرب، كما أخذت وسائل الإعلام الإسرائيلية تحرّض علنًا وصراحة ضد العرب داخل الخط الأخضر، وتدعو الشرطة الإسرائيلية إلى قمعهم، وتبرّر قيام الحركات والأحزاب اليمينية اليهودية الفاشية في الاعتداء عليهم.
وفي هذه الأجواء، أعلن رئيس حزب "يمينا"، نفتالي بنيت، في اليوم الثالث من الحرب على غزة، وهو الذي سعى، عشية الحرب، إلى تشكيل حكومة بديلة من حكومة نتنياهو بالتعاون مع يائير لبيد، زعيم حزب "يوجد مستقبل"، أن إمكانية إقامة حكومة بديلة من حكومة نتنياهو لم تعد قائمة، وأنه جدّد اتصالاته مع حزب الليكود لإقامة حكومة واسعة تستند إلى أحزاب اليمين.
وما إن قَبِل الكابينت السياسي الأمني وقف إطلاق النار في غزة، حتى ثارت ردّات فعل مختلفة من الأحزاب السياسية، ففي حين أيّدت أحزاب الائتلاف الحكومي وقف إطلاق النار ودافعت عنه، انتقدت أحزاب المعارضة حكومة نتنياهو لقبولها به، على الرغم من أنها حرصت كلها على تأكيد وقوفها إلى جانب الجيش الإسرائيلي في عدوانه على غزة. وعلى الرغم من أن لبيد أيّد وقف إطلاق النار، مدّعيًا أن الجيش الإسرائيلي نجح في تحقيق أهدافه، فإنه انتقد بشدّة حكومة نتنياهو التي فشلت كما قال "في جميع المجالات"، مثل تحصين البيوت والمواجهة الإعلامية التي ربحتها "حماس"، وفي إعادة الأسرى وجثث الجنود، كما فشلت في توجيه ضربة قاصمة لحركة حماس، لأنها "فضلت الحفاظ على سلطة حماس من أجل إضعاف السلطة الفلسطينية في رام الله".

فشلت إسرائيل في وقف مظاهرات الفلسطينيين واحتجاجاتهم في الضفة الغربية وداخل الخط الأخضر خلال الحرب على غزّة

كما انتقد أفيغدور ليبرمان، رئيس حزب "إسرائيل بيتنا"، وجدعون ساعر، رئيس حزب "أمل جديد"، وقف إطلاق النار. وأعلن ساعر أن وقف إطلاق النار "يُلحق ضررًا شديدًا بالردع الإسرائيلي" تجاه "حماس" والفصائل الفلسطينية في غزّة، ولا يضع قيودًا على تعاظم قوة "حماس" وازدياد تسلّحها، وأكّد أن هذا الاتفاق هو فشل سياسي لحكومة نتنياهو، وأن إسرائيل ستدفع ثمن ذلك في المستقبل. ومن الواضح أن كتلة اليمين المتطرّف دعت إلى مواصلة الحرب، في حين حاول نتنياهو أن يبيّن أن وقف إطلاق النار غير مشروط، وذلك بمواصلة القمع في القدس، وفي الحرم القدسي الشريف تحديدًا، فضلًا عن شن حملة عقابية منهجية وشاملة تستهدف الناشطين الذين قادوا المظاهرات أو دعوا إليها في أوساط العرب داخل الخط الأخضر بالاعتقال وتوجيه لوائح الاتهام إليهم.
خاتمة
خاضت إسرائيل الحرب على قطاع غزّة بالاستراتيجية نفسها التي خاضت فيها حروبها السابقة ضده. وقد استندت في حربها أساسًا إلى تفوّق سلاحها الجوي الذي استعملته بكثافة وقوة تدميرية غير مسبوقة ضد أهداف، أغلبها مدنية، تقع في قلب المدن والمخيمات في قطاع غزة، إلا أن إسرائيل فشلت، مع ذلك، في وقف إطلاق صواريخ المقاومة إلى داخل العمق الإسرائيلي، وفشلت في ردع المقاومة وكسر إرادتها. وإن كانت إسرائيل لم تقبل شروطًا لوقف إطلاق النار، فإنها أيضًا فشلت في فرض أي شرطٍ على المقاومة، كما فشلت أيضًا في وقف مظاهرات الفلسطينيين واحتجاجاتهم في الضفة الغربية وداخل الخط الأخضر خلال الحرب على غزّة.
وسبق أن بيّنا الإنجاز الفلسطيني في الهبّة الشعبية الأخيرة. ونضيف هنا أن المعادلة في غزّة قد تغيّرت لناحية وجود تنسيق إسرائيلي دولي عربي لإتاحة المجال لاحتواء فصائل المقاومة من خلال تكثيف العمل الدولي والعربي (من طرف دول التطبيع) في قطاع غزّة عبر استغلال رغبة حركة حماس في استثمار قدراتها التي ظهرت في المعركة سياسيًا.