عصافير سورية وصرصور ألماني

16 مارس 2017

(فاتح المدرس)

+ الخط -
فجراً... اتصل بي صديق قديم من أيام الصبا، فسمعت العصافير حوله تزقزق سعيدةً ومستبشرةً بالصبح إذا تنفس. أبديت سعادتي بسماع أشعار العصافير التي فقدتها واشتقت إليها، سأل: أليس في ألمانيا عصافير، يا سبعي؟
قلت: لم أرَ عصفورا دورياً واحداً فيها. قال لي صديق ألماني إن َّطيور ألمانيا كثيرة ويبلغ عدد أنواعها 280 نوعا مسجلاً بالصورة والصوت، وكثير منها يرقص ويغني، منها عصافير النمنمة، ويبني لها الألمان بيوتاً خشباً في باحات بيوتهم وفي الطرقات، لها ثقوبٌ صغيرة في الأعلى، حتى لا تحتلها الطيور الأكبر حجماً.
كانت بلدتنا طريق حرير للطيور، الشحارير تعبر في موسم، واللقالق في موسم، والسنونو في موسم، والزرازير السوداء المنقطة بالفضة تهجم على البلدة فتسوّد أشجارها، ولم نعد نراها بعد أن تمكّن الأسد من حبس الشعب في قفصٍ ليغرد في المسيرات. أمحلت تماما بعد مذابح الثمانينيات. الطبيعة والبشر والحيوانات تعيش في تناغم، وقد تحطّمت أوتار هذا النغم، مع غياب العدل وشيوع الظلم، سألته: من أين هذه العصافير، كل علمي أنّ الأشجار تحوّلت إلى حطب للتدفئة؟
قال: أنا على الحدود، وهذه عصافير تركية، يا نمري المخطط.
سكت النمر المخطط ليستمتع بزغاريد العصافير، فقال الصديق: تسبّح لله، وتهتف لأردوغان، الترك قوم رحماء بالحيوان، ولهم مناسك في نثر الحبِّ للطيور على الجبال.
سألني عن ألمانيا، فقلت: أيها الصديق البعيد، ذو الرأي الرشيد، كل يوم، يأتي شاب ألماني يشبه الممثل الأميركي إدوارد نورتون الذي مثّل دور الرجل الأخضر، أمام سكني، في الساعة الواحدة والنصف ظهراً، ويمضي قرابة نصف ساعة واقفاً، ثم يعود أدراجه، يأتي في المطر والثلج والشمس، أحياناً يركل بعض الحصى، هو لغز لا أفهمه، فكرت في أن أقطع سبحةً هناك في المكان الذي يأتيه يوميا، وأسأله عن سرّه، لكن لغتي لا تساعدني، وسؤالي سيشعره بأني أراقبه، ومن تدخل فيما لا يعنيه لقي ما لا يرضيه.
سألت صديقي عن سبب لجوئه إلى الحدود. كان سؤالا نافلاً، قال: المناطقة يسمون مثل هذه الأسئلة سؤال رجل القش، هربنا من القصف، هولندا تتضايق من زيارة وزيرة تركية سفارتها، لكنها تسكت عن قصف شعب كامل، بل ترعى الأمم المتحدة أحياناً خروج السوريين من ديارهم، وتمنّ عليهم بالتهجير الآمن، أحد أسباب التهجير غير إخلاء سورية من أهلها، هو إغراق تركيا بالسوريين.
اتصل صاحبي في اليوم التالي، فزقزقت عصافيره لي، طلب مني حكاية أخرى، وقال: هل الألمانيات حسناوات...؟
اختصرت عليه الطرق: قلت وقعت في حبِّ صرصور ألماني.
هتف والعصافير خلفه تشدو أغنية الفجر الضحوك: صرصور، أيها السبع الهصور؟
قلت: في أحد الأيام، يا مرحوم الأب والجد، مررت من سبيل، فسمعت لحناً رافقني في طفولتي وصباي وشبابي، كنت أعشقه، سمعت صوتاً هاتفاً في السحر. كان صوت صرصور، نشأت على أصوات الجداجد، الحكايات كلها تمجّد النملة وتهجو الصرصور، النملة حيوان اشتراكي، والصرصور رأسمالي، ورأسماله عقيرته، وصوته يخرج من دبره، وهي من الأصوات التي أُحّبها، فجلست أسمعه بعبرةٍ وتحمحم، وصرت كل يوم أمرُّ بالمكان، حتى أسمع دورا، فأمكث ساعةً، ثم أعود مثل الرجل الأخضر الألماني. وقلت في نفسي: ربما يكون في النوافذ عجوز يراقبني.. فجعلت أمثِّل دور من يصلح شسع نعله، حتى حولته إلى عثاكيل من كثرة العقد.
سألني بعد فترة عن الرجل الأخضر؟ فقلت: على حاله. قال: والصرصور؟ قلت: لم أعد أسمعه، ربما رحل ليبحث عن صرصورة.
سألته عن غضبة الرجل الأخضر التركي على هولندا والدنمارك وسائر دول الكرواسان (صياغة الهلال الإسلامي خبزاً يؤكل) قال: غضبة الرجل الأخضر التركي، ليس سببها مشروبا مطوّرا في المخابر العلمية الحربية، هو حليب العزّة.
وكانت العصافير خلفه تهتف للحرية، وكدِّت أجزم أنها سورية ونازحة.