صورتنا في "أسوشيتد برس"

صورتنا في "أسوشيتد برس"

25 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

لم تزِد وكالة الأنباء العالمية (الأميركية)، أسوشيتد برس، في الطنبور وترا، لمّا رأى تقريرٌ لها طيّرته، أول من أمس، إن العالم انصرف في مشاغله عن المنطقة العربية، وذكر إن الوضع في الشرق الأوسط تدهور بشكلٍ كبيرٍ في عدة دول في العامين الماضيين، وإن اليمن والعراق وسورية وليبيا ولبنان دولٌ أصبحت على حافّة الانفجار في أوضاع اقتصادية ومعدّلات عالية من الفقر، تهدّد بإدخال منطقة الشرق الأوسط إلى اضطراباتٍ أكثر. ولا يبخّس واحدُنا من مكانتها الاعتبارية العالية لو ذهب إلى أن الوكالة الإخبارية العتيدة لم تشحط الذئب من ذيله عندما أفاد تقريرها، المهم من قبل ومن بعد، بأن النزاعات في المنطقة العربية في حال جمود. ولكننا، نحن العرب، نبقى في حاجةٍ إلى أن نرانا في تقارير الصحافات العالمية، وأيضا في محافل العالم، ومناسباته الكلامية مثلا، من قبيل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في هذه الأيام. وفي محلّها إشاراتُ "أسوشيتد برس"، في تقريرها المتحدّث عنه، إلى غياب التفات العالم، في هذه التظاهرة الدولية، إلى قضايانا، واكتراثه بما هو أكثر إلحاحا من الجاري في سورية واليمن وليبيا (وغيرها)، من قبيل جائحة كورونا وحكم حركة طالبان في أفغانستان والتغير المناخي. ويكفي، مثلا، التملّي في كلمة الرئيس الأميركي، جو بايدن، في مفتتح الموسم الحالي للمنتظم الأممي هذا، فقد خلت من أي إشارةٍ إلى أيٍّ من أزمات المنطقة، وإلى ما سمّي طويلا "الصراع العربي الفلسطيني" (هل من يتذكّر؟). واعتنى الرجل بأجندة إدارته وفريقه، كوفيد 19 وأفغانستان والصين والمناخ و.. .

ينقل تقرير "أسوشيتد برس" عن مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، جوليان بارنز داسي، قوله إن لدى الغرب شعوراً باليأس، وإحساساً بالعجز، بعد سنواتٍ طويلةٍ من النزاعات الماثلة في المنطقة العربية. والتعقيب الممكن هنا على كلامٍ كهذا، وقد صار ذائعا، إن في وسع الغرب، والولايات المتحدة في صدارته، أن يفعل ما هو مُجدٍ، وما يجعله يغادر اليأس (والعجز)، عندما لا يعمد إلى انحيازاتٍ وخياراتٍ تعاكس مصالح شعوب المنطقة وتطلعاتها، وعندما لا تحتلّ أفهامَ مسؤولين في أجهزةٍ ودوائر في الغرب قناعاتٌ قاصرةٌ، وقسريةٌ، مرهونةٌ لحسابات تخلّ باعتبارات الديمقراطية والتعاقدات المجتمعية، بل وتصطفّ إلى دكتاتورياتٍ ومغامراتٍ طائشة. ومثال فرنسا في ليبيا بالغ الدلالة على ما ينكتب هنا. وجيّد من وكالة الأنباء أن تقريرها جاء على دعم "قوى خارجية" جماعاتٍ مسلحةً، متقاتلةً في ما بينها في ليبيا التي مزّقتها الحرب، على ما يذهب التقرير محقّا، وإن احتاج أن يقول للأعور في عينه إنه أعور، فلا تنفع التعمية هنا (وفي غير هنا) في تشخيص الحال، وتعيين أوجه الصورة البائسة التي تسبّب اليأس.

جالَ التقرير، بإيجاز واقتضاب شديدين طبعا، على أبرز ملامح الأوضاع في اليمن، حيث يسير نحو 16 مليون هناك نحو المجاعة، والعراق الذي يعاني من الجوع والفقر وسوء البنية التحتية، وسورية التي في وضع سيئ، وليبيا الممزّقة، ولبنان البلد الصغير المتعدّد الطوائف، الذي تبحث فيه معظم الأسر عن وجبة طعام، وهي لا تعرف من أين ستوفر الوجبة التالية. وجاء حسنا من التقرير، المكثّف الإحالات، أنه جاء على مقتل 260 شخصا، معظمهم من المدنيين، وتدمير أكثر من أربعة آلاف بيت، في "الحرب الأخيرة" في غزة، وإنْ كانت الأمانة المهنية توجب التأشير إلى مسؤولية إسرائيل في هذه الحرب التي لا يخرم الموضوعيةَ أبدا وصفُها عدوانية. بل ربما أوجبت الأمانة هنا  إشارةً إلى مسؤولية الاحتلال الإسرائيلي عن تدهور أوضاعٍ معيشيةٍ عسيرةٍ للسكان الفلسطينيين، وعن انعدام أفق سياسي لحل قضية الشعب الفلسطيني.

لم يلتفت تقرير "أسوشيتد برس" إلى الأحوال في مصر، وإلى يأسٍ ثقيل صار شعب تونس على تخومه، جرّاء ما صار يرتكبه هناك رئيسٌ مزهوٌّ بنفسه، ولا إلى بعض تفاصيل بادية في الجزائر والمغرب وموريتانيا، ولم يأتِ على شيءٍ مما يغالبه الصومال من أزماتٍ لا تتوقف. ولكن الوكالة أفادت بأن تقريرها يخصّ الشرق الأوسط (هل ليبيا شرق أوسطية؟)، ومصر في حسبة معلومةٍ شرق أوسطية .. على أي حال، أضاءت الوكالة على أوضاع عربية لم تعد من مشاغل العالم وأولوياته، وعلى بؤسٍ مقيمٍ بين ظهرانينا، الحاجة دائمة إلى معرفته أكثر وأكثر.