صناديق الاقتراع ورهائن الاحتجاز في مصر

صناديق الاقتراع ورهائن الاحتجاز في مصر

13 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

لم يختر المواطن الأميركي، قبل أيام، رئيس بلاده للسنوات الأربع المقبلة فقط، بل أُثرت خياراته تلك على مصائر مواطنين كثيرين في غياهب سجون الاحتجاز في مصر، فبالتزامن مع تلك الانتخابات، صدرت قرارات بإخلاء سبيل عدد من أبرز المعتقلين السياسيين في مصر، وهي خطوةٌ لم يسع النظام المصري منها إلى تحسين ملفه الحقوقي، أو تخفيف الانتهاكات الواقعة على المعتقلين السياسيين، أو تحسين أحوال مراكز الاحتجاز، ولكنها من الأوراق التي يجري اللعب بها في مواجهة الضغوط الدولية، خصوصا بعدما أغلق النظام كل الطرق القانونية، ونقض منظومة القضاء، وأطاح كل تشريع كان يحمي بعضا من حقوق المواطن المصري، تحديدًا منذ جاء بمجلس تشريعي منبطح أطاح كل مبادئ العقلانية، والاتزان، والدبلوماسية في إدارة العلاقة بالمجتمع والجماهير، في مقابل منح القوة والسلطة المطلقتين للدبابة والمدرّعة.

انتهت أي إمكانيةٍ للضغط على النظام المصري في جهة الملف الحقوقي منذ بدأ حكم الرئيس الحالي، عبد الفتاح السيسي، خصوصًا مع نجاح النظام في استعمال ملفات الاستثمار، واللاجئين، والإرهاب، وملف ليبيا، لإحباط كل محاولات الخارج في التأثير عليه، من أجل العمل على تعديل أوضاع حقوق الإنسان وانتهاكاتها، وخصوصا أن هذا كان أبرز مجال يساهم به الاتحاد الأوروبي (عبر دول فاعلة فيه في هذا الصدد إقليميًا ودوليًا)، وكذا البيت الأبيض الذي منح النظام المصري الضوء الأخضر لإطاحة المواطنين. ولا يمكن، في أي حال، إغفال حدث إصدار محكمة الجنايات في القاهرة، في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، قرار إخلاء سبيل تاريخي بحق ما يقارب 600 معتقل مصري في أكثر من عشر قضايا، كان بعضهم قد مضى على حبسه احتياطيًا أكثر من عام، من دون أن تستأنف النيابة العامة (كما المعهود منها) الحكم.

إطلاق سراح المعتقلين من الأوراق التي يجري اللعب بها في مواجهة الضغوط الدولية، خصوصا بعدما أغلق النظام كل الطرق القانونية، ونقض منظومة القضاء

ويستخدم نظام عبد الفتاح السيسي ملف المعتقلين السياسيين ورقة في تقديم القرابين للأنظمة الداعمة له، أو هدايا رمزية لتيسير الأمور والمسائل العالقة، كما فعل فور ما جاء دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأميركية في يناير/ كانون الثاني 2016، فأفرج عن معتقلين سياسيين من ذوي الجنسية المصرية – الأميركية، في إطار المصلحة المرتبطة به. كما عهدنا أيضًا أن يستخدم النظام الملف الحقوقي ورقة ضغط، وحماية، حينما يواجهه عاصفة من الغضب، كما فعل مع المعتقلين في سبتمبر/ أيلول الماضي، بأن أخلى سبيل بعضهم، وأبقى الآخرين "لوقت العوزة"، كما يقول المصريون.

خلال الأشهر الثلاثة المنصرمة، وقبيل الانتخابات الأميركية، ارتكب نظام السيسي أكبر عدد من الجرائم الحقوقية التي لم يسبق لها مثيل منذ 2014

ولم يتطور هذا التعامل من النظام المصري مع المعتقلين كرهائن لمساومة القوى الدولية المؤثرة، وقمع الأصوات المعارضة بالداخل، بين يومٍ وليلة، بل جاء بعد مرحلة مكلفة من التنازلات لضبط المساومة، ففي بداية حكمه، كان السيسي يستخدم ملف المال والشراكات الاقتصادية مع الدول الغربية، وفي مقدمتها الدول الأوروبية المختلفة، من أجل إيقاف أي عملٍ فعالٍ في سبيل تغيير أوضاع حقوق الإنسان وقمع المعارضين، إلا أنه، وبعد نفاذ الدعم الخارجي، وتردّي الأوضاع الاقتصادية، أصبح يستهدف المعتقلين السياسيين في وضع أشبه بأنهم "رهائن". ومن ثم، من المضحك المبكي أن يُقال إن هناك حالة قانونية تحكم أوضاع المعتقلين في مصر، إذ جميع المواطنين معتقلون بأمر من السيسي، فعليًا أو حكمًا، كما يتم الإفراج عن بعضهم، أفرادًا وأسرًا وجماعات، بأمر مباشر منه، وهو وحده المتحكّم في أعداد المعتقلين، والموتى، والمرضى منذ قام بانقلابه العسكري في يوليو/ تموز 2013. ولا أدل على هذا مما حدث مع عائلة الناشط الحقوقي المصري محمد سلطان، فبمجرد أن قام بمحاولة قانونية لمساءلة رئيس الوزراء السابق حازم الببلاوي، الذي أصدر القرار باعتقاله واحتجازه وتعذيبه، أقدمت الحكومة المصرية على اختطاف والده من داخل مقر احتجازه، كما اختطفت السلطات خمسة أفراد من عائلته، ووضعتهم جميعًا رهن الاحتجاز.

ما الذي تغير في الأيام القليلة الماضية ليخلي نظام السيسي سبيل نحو 600 معتقل، وهو الذي اعتقل، منذ أقل من شهرين، ما يقارب 1800 مواطن، منهم حوالي 400 طفل في أعقاب تظاهرات سبتمبر/ أيلول الماضي؟ وكيف ينظر تحديدًا إلى القضايا الخاصة بالمعتقلين السياسيين من الصحافيين، والإعلاميين، والنشطاء المقبوض عليهم علي خلفية تظاهرات سبتمبر 2019؟ خلال الأشهر الثلاثة المنصرمة، وقبيل الانتخابات الأميركية، ارتكب نظام السيسي أكبر عدد من الجرائم الحقوقية التي لم يسبق لها مثيل منذ 2014، ففي ثلاثة أشهر، بحسب التقرير الربع سنوي لمنظمة كوميتي فور جستس، عن الفترة من يوليو/ تموز إلى سبتمبر 2020، ضمن أعمال مشروع مراقبة انتهاكات حقوق الإنسان داخل مقار الاحتجاز، تم رصد ارتكاب السيسي ما يقرب من 2652 انتهاكًا بحق المواطنين داخل مقار الاحتجاز، منها 557 حالة اختفاء قسري، و1686 حالة حرمان من الحرية تعسفيًا، و29 حالة وفاة داخل مقار الاحتجاز، وكذا 360 انتهاكًا ضمن سوء أوضاع الاحتجاز. وفي الوقت الذي تضخم فيه عدد ضحايا الحرمان من الحرية تعسفيًا على وجه التحديد، مقارنة بضحايا النمط نفسه في تقارير سابقة، فإن شهر سبتمبر الماضي فقط، شهد وقوع الغالبية العظمى من الانتهاكات المرصودة والموثقة على وجه السواء، بنسبة 65%، و60% على التوالي.

يستخدم النظام ملف المعتقلين السياسيين ورقة في تقديم القرابين للأنظمة الداعمة له، أو هدايا رمزية

ما الذي تغير حتي يخلي نظام السيسي فجأة سبيل عائلة الناشط السياسي محمد سلطان، في هذا الوقت بالتحديد، وبالتزامن مع هوجة الانتخابات الرئاسية الأميركية؟ لا توجد إجابة محدّدة سوى أن هناك تغييرا قادما، وأن النظام يترقب التعامل معه، وأن جو بايدن، المنافس القوي، والرئيس المنتخب، أشار بشكل أساسي إلى هذه القضية بخصوص العلاقات الأميركية – المصرية، وأن هذا التغيير المرتقب لن يتم تجاوزه، كما حدث سابقًا، بأدوات الشراكات الاقتصادية، وجلب الشركات الأجنبية، بل يجب أن يتم تجاوزه بتقديم "قرابين" من المعتقلين السياسيين الذين أبقتهم السلطة في حوزتها كرهائن استعدادًا لهذه اللحظة، ويكاد هذا يكون لسان حال النظام القائم، والعقلية الأمنية التي يتعامل بها مع مواطنيه. فمع فوز بايدن، ستتحوّل الساحة الدولية، خصوصًا في ما له علاقة بالأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، وفي مقدمتها الأوضاع في مصر، إلى ساحة أفضل كثيرًا بالنسبة لأعمال المناصرة، والتشبيك، والتعاون، والتأثير؛ الأمر الذي يتوقع أن يؤثر بشكل كبيرعلى الأوضاع الحقوقية. وفي ما يخص توقعات حركة النظام المصري إزاء هذا التحوّل، هناك ثلاثة سيناريوهات أعتقد أن النظام المصري سيتبعها مع ملف حقوق الإنسان في مصر: 

الأول: المضي في طريق القمع، بل وزيادته درجة ومجالاً، لإيجاد مساحةٍ من الضغط على الأنظمة الغربية، وخصوصًا النظام الأميركي الجديد. وسوف يعني هذا من ناحية إيجاد مساحات ضغط علي مسارات أخرى من المجتمع الدولي في مصر، وخفض سقف التوقعات الخاصة بتعديل المسار. وعلى الرغم من أنه يبدو مسارًا منطقيًا لنظام "سادي" يستطيب تعذيب مواطنيه، فالواقع أن الاستمرار فيه سيأتي بعقباتٍ يعلمها المجتمع الدولي والقوى المؤثرة فيه جيدًا، خصوصا مع حداثة عهده في موجة التظاهرات التي انفجرت قبل عقد، وأفضت بأنظمة "صديقة" و"محالفة" إلى غياهب التاريخ لتأتي غيرها، ومن ثم سيصعب على النظام المصري الاستدامة في هذا المسار، مع كونه معتمدًا بالأساس على دعم القوى والحكومات الغربية وحلفائها في إقليمه المباشر.

ما الذي تغير حتى يخلي نظام السيسي فجأة سبيل عائلة محمد سلطان بالتزامن مع هوجة الانتخابات الرئاسية الأميركية؟

الثاني: أن يستمر النظام في استخدام الملف الحقوقي ورقة تفاوض مع الضغوط التي ستتم عليه، وأن يستعمل ما تحت يديه من ملفات للمعتقلين، خصوصًا المدافعين عن حقوق الإنسان، والمعتقلين السياسيين، والمعارضين الذين يطالب المجتمع الدولي بالإفراج عنهم، وتفعيل ملفاتهم في سبيل الحصول على مزيد من الدعم، المالي تحديدًا، خصوصًا في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد، وهو الأمر الذي سيستمر به الملف الحقوقي في كونه أداة "مسكنة" في أثناء الأزمات، تقبلها دوائر الحكم والأنظمة الغربية، ويرفضها بالتأكيد المجتمع المدني الحقوقي الذي سيمارس مزيدا من الضغوط، مع مزيدٍ من الدعم الذي سيتلقاه، فيستديم الحال على هذا، إلى أن تطرأ تغيرات في الأوضاع الاقتصادية تستتبع تغيرًا على الأرض، وهو السيناريو الأقرب إلى التحقق، والذي يتوقع الكاتب بروزه في الفترة المقبلة.

السيناريو الثالث: طريق العقلانية، والبدء في اتخاذ خطوات استباقية من شأنها تخفيف التوتر، مثل فتح مساحاتٍ من التفاهمات بخصوص الملف الحقوقي. وقد يتبع هذا بروز فرصة ذهبية ومتاحة ونافذة أمل جديدة لأوضاع المعتقلين السياسيين في مصر، بل قد يمتد الأمر إلى إيجاد فرص حقيقية للفتح التدريجي للمجتمع المدني في مصر، وهو ما ليس متوقعا من هذا النظام الذي يصعب وصفه بكلمات العقلانية والاتزان في أي حال.