شرعيةُ "الصنم المعبود" من السويداء إلى الصين

شرعيةُ "الصنم المعبود" من السويداء إلى الصين

26 سبتمبر 2023

الأسد وزوجته في افتتاح دورة الألعاب الآسيوية في هانغشتو شرق الصين (23/9/2023/فرانس برس)

+ الخط -

ليس من قبيل البكاء على الأطلال أن نقول إنّ من مكر التاريخ بسورية أنها ما زالت الاستثناء العجيب بين الدول، باعتبار الرصد المنطقي لواقع الأمم المتحضرة يثبت أنّ التجريد والرمز من أبلغ الطرق التي تستخدمها الشعوب لرسم ملامح زمنها وقِيمها، بينما لا قيمة مجسّدة في سورية سوى تماثيل العائلة الحاكمة، في حضرة مواقع أثرية كثيرة تحكي حكاية بلادٍ تُوّجت في زمنٍ مضى مهد الحضارات، لكن لن تُرى هذه الآثار في أحسن أحوالها ولا في أدناها، بل في عدمها، فهي بِلا أية روح تاريخية، وهي إشكالية لا تحتاج للتنبؤ والتحليل كثيراً، ولا إلى تنزيه هذه العدم التاريخي من كلّ شائبة، بينما نجد العلّة الحقيقية في سعي نظام الأسد إلى طلي تلك الآثار بالإسمنت الأبيض، وترميمها، كيفما اتفق، بالصخور البشعة والجافّة، لتغدو راهنية الواقع المرير المتمخض عن فعالية البروباغندا السامة والإلغائية في تضليل السوريين، وكأنّ ما تبقّى من الأزمنة الغابرة ليس سوى عالة على نظام يريد حكم أناسٍ بلا ثقافة ولا مرجعية. في المقابل، ليس مطلوباً من السوري الإحساس بالتماهي مع هيبة الرئيس أو محبّته، فيكفي أن يذوب في مملكة الرعب، ليغدو جزءاً أصيلاً من الآلة العنفية المجرّدة التي أنتجت رمزيات النظام المُعمّمة، والتي انتهت بالاستغلال الشرير للسطوة الثقيلة لرمزية (البوط العسكري). بالتالي، أصبح السوريون أمام "منزلق وطني" لا يخدم، في نهاية المطاف، سواء في مقاصده أو نتائجه، إلاّ أيديولوجيا الفكر الأوحد للنظام الحاكم والمآل المغلق المحتوم، بعدما غُرِزت رموزه في جسد البلاد كسكاكين لئيمة، لا بدّ أن تُدرج في قائمة الإرهاب الوطني يوماً ما.

ليس حافظ الأسد وحده من مات، بل كلّ ما بني على سيطرته "الغامضة" ذهب إلى غير رجعة

وعليه، يذهبُ كثيرون إلى أنّ الثورة السورية، في بدايتها، كانت موجّهةً ضد تماثيل الأسد التي حولته إلى رمزٍ مقدّس للجمهورية الوراثية، باعتبار تحطيمها ضربة قاضية للاستبداد الذي تمثلُه العائلة الحاكمة، ذلك أنّ خيلاء الفوقية التي اتسمت بها هذه التماثيل جعلت أكثر الأيادي قداسة وطهراً تلك التي هدمتها، ليردَّ النظام آنذاك بشعار الإبادة الشهير "الأسد أو نحرق البلد"، وكأنّ تمثالاً واحداً للرئيس يُساوي مدناً وأريافاً بأكملها، وعلى السوريين أن يكونوا أقلّ قامةً منه، لذا كان وجودُ أحجار العائلة دلالة على تفجير الخوف في ناموس الثورات المستحقة، وتعميق شأوة الانشطارات في الكيان السوري لتعزيز حكم الطغاة ومضارب السياسة الفاسدة. هكذا استمرّت ظاهرة "تفريخ" التماثيل بوتيرة مطردة حتى وصلت إلى مظاهر العبادة الراهنة، ومع مرور الزمن باتت أصنام الأسد مكرورة بالأسلوب عينه إلى حدّ انتشار قوالب جاهزة لصناعتها، بينما لا يوجد أيُّ تمثالٍ لرئيس سوري آخر في أية ساحة على الإطلاق.
بالتساوق مع ما تقدّم، يقول الفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبريه "ليست السلطة التي تستطيع إحضار الغائب، ولكنها دائماً السلطة التي تستطيع التحكّم في الإنسان الحي". وفي الحقيقة، ليس حافظ الأسد وحده من مات، بل كلّ ما بني على سيطرته "الغامضة" ذهب إلى غير رجعة، وعندما خرج السوريون إلى الشارع بعد 2011 حطموا تماثيل الأب قبل نزع صور الابن، فالثورة كانت، في جوهرها، على الأصل لا على المستنسخ منه. وفي حادثة شهيرة إبّان الثورة السورية، عمد النظام إلى إزالة تمثال الأسد الأب من محافظة دير الزور لحمايته من غضب المتظاهرين، خصوصا بعدما أُطلق عليه اسم هُبَل (الصنم الجاهلي)، ليُعاد لاحقاً نصبه في المدينة تطوّقه مصابيح الكهرباء من كلّ جانب فيما "الظلام والدمار" يحيط بالمحافظة المنكوبة.

خصوصية قيامة السويداء المبشِّرة تكمن في تجرّؤ السوريين، وبعد عقدٍ مرير من الصمت القاتل، على تمزيق صور الأسد الأب

على التوازي ما من شيء يدعو إلى العجب بشأن ظاهرة تحطيم التماثيل في المدن السورية الثائرة، لكن المفارقة المدهشة تكمن في حماية فرقةٍ أمنية كاملة تمثال حافظ الأسد في مدينة اللاذقية "الموالية حتى النخاع"! هذا الهوس في حماية الرمز لم يأتِ من فراغ، بينما كان النظام يخسرُ تدريجياً واجهته الرمزية المقدّسة، وبلغ به الجنون حدّاً أنه في عيد الجيش، مثلاً، لم يعتبرها السوريون نكتة سمجة عندما رأوا كِبار مسؤولِي النظام يلتفون "متأثرين فرحاً" حول البوط العسكري وبجانبه تربّع مجسّمُ رصاصة!
واليوم، وبينما تبدو قيامة السويداء ثورة مركّبة في مواجهة أيديولوجية شمولية متطرّفة، ومن ثم فالمفاهيم الدالة عليها تتسم بالعمومية وتعدّد الأبعاد، إلا أنّ خصوصيتها المبشِّرة تكمن في تجرّؤ السوريين، وبعد عقدٍ مرير من الصمت القاتل، على تمزيق صور الأسد الأب وإسقاط تمثال له أخرجوه من مقرّ البلدية إلى ساحة الكرامة. وردّاً على هذه الجرأة الثورية الصادمة، يلجأ بشار الأسد نحو طقسٍ أهمله عقدين، عبر إعادة نشر تماثيله، وهو ما حدث أخيرا في قرية بلقسة الموالية، في ريف حمص الغربي، حيث نُصب تمثال عملاق له بلغت تكلفته حوالي 650 مليون ليرة سورية، بقصد التذكير بقدسية الحاكم وتلك المسافة الهائلة التي تفصله عن جموع العبيد، حيث ظهر عشراتٌ يلتفون حول التمثال وهم يرفعون أيديهم ويهلّلون ككفار قريش.

مهما كانت مآلات زيارته الصين، فالحقيقة الجلية هنا أنّ الأسد لن يغادر كرسيه حتى ولو باع سورية كاملة

وهنا دعونا نتساءل بتجرّد تام: لو كان هذا "الصنم" مصنوعاً من تمر أو من خبز، هل سيهرع هؤلاء الموالون "الجائعون" لأكله ليلاً بعد التهليل له نهاراً؟ في السياق يقول عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر "الأمم قد تتسامح بالتفريط في مصالحها، ولكنها لن تتسامح أبداً بجرح شرفها وكبريائها". وها هي ثورة السويداء تثبت أنّ مآل حكم نظام الأسد هو السقوط، لا محال، بعد استعادة السياسة من احتكار الأسد لها انطلاقاً من ساحة الكرامة، باعتبارها ساحة شعبية مقدّسة لخلوّها من التماثيل، وبوصفها شأناً يومياً طهرانياً بالغ الأهمية لصياغة الرؤى التي بدأت بفتح بابٍ مُحتمَلٍ لحلٍّ سياسي قد يقود في النهاية إلى إعادة تشكيل سورية الجديدة.
وفي هذا الوقت الحرج، كلّ ما يفعله بشار الأسد أنه يترأس وفداً رسمياً إلى الصين، وهنا سؤال عن مناسبة الزيارة، وهي افتتاح دورة الألعاب الأولمبية الصيفية، فلماذا يصطحب معه وزير الخارجية مثلاً؟ أو المستشارة السياسية أو المستشارة الخاصة به؟! ما يزيد طين الأسئلة بلّة أنه، وبعد خسارة الدعم العربي وانشغال الحليفتين بمشكلاتهما الداخلية، لا تبدو الزيارة سياسية، بالمطلق، رغم تصريح الرئيس شي جين بينغ خلال لقائه الأسد إنّ الصين وسورية ستعلنان عن شراكة "استراتيجية" جديدة ستصبح محطّة مهمة في تاريخ العلاقات الثنائية، إذ يبدو الأخير مشغولاً وعائلته في زيارة الأماكن السياحية، تسبقه ابتسامته الواسعة البلهاء التي لطالما تصدّرت الأزمات والكوارث، متسوّلاً النجومية من بلدٍ لا يقدّم شيئاً بالمجان، عمل بشكل حثيث على تثبيت شرعية رئيس جمهورية الكبتاغون الواهية على المستوى الدولي، ومن بين 16 مرّة استخدم فيها حقّ النقض (الفيتو) في مجلس الأمن كانت عشر منها لحماية نظام الأسد البائد.
نافل القول، مهما كانت مآلات الزيارة وثرثرات دهاليزها المعتمة، فالحقيقة الجلية هنا أنّ الأسد لن يغادر كرسيه حتى ولو باع سورية بالكامل، هو الذي لم يسمع الصرخة المدوّية للشاعر بدوي الجبل في قصيدته التي انتقد فيها حكم حافظ الأسد بعد هزيمة يونيو 1967: يسومنا الصنم الطاغي عبادته/ لن تعبُد الشام إلا الواحد الأحد.