رواية عن زنجبار

رواية عن زنجبار

30 أكتوبر 2023
+ الخط -

كنتُ الثلاثاء الماضي ضيفاً في مطعم بكورنيش مطرح في مسقط، بمناسبة قراءة رواية "باشي فلورا" الأولى للعُمانية جميلة الهنائية، المتخصّصة أيضاً في دراسة الاقتصاد المعرفي (الدكتوراه من جامعة كارديف بالمملكة المتحدة)، والتي تنشر مقالا أسبوعيا في صحيفة عُمان في شؤون الاقتصاد. فضاءات الرواية في البرّ الأفريقي وجزيرة زنجبار التي كانت مقرّ حكّام عُمانيين سابقين، شهدت أوجها أيام حكم سعيد بن سلطان البوسعيدي الذي نقل عاصمة حكمه إلى زنجبار، رغم أنّه حاكم عُماني، دلالةً على أهمية الجزيرة ومدى استقرار العُمانيين فيها منذ قرون، إذ تركوا فيها نموذجاً مهمّاً للتعايش الإنساني بين مختلف الأعراق والأديان، والأمر شبيه بما كانت عليه الأندلس قبل سقوطها. 
تسرد "باشي فلورا" (النادي الثقافي في مسقط 2022) عن الحياة الاجتماعية العُمانية والعربية في زنجبار وما حولها من محيط عربي أفريقي، حيث نرى صورا حيّة من الحياة الدقيقة هناك، ورواج اللسان العربي في أفريقيا وتزاوجه باللسان السواحلي الأفريقي. تبدأ الرواية بقصة عبد الله بن حمود الذي يُغادر من بهلا إلى زنجبار عن طريق ميناء صور، بقصد البحث عن والده الذي انقطعت أخبارُه قرابة عشر سنوات. في إطار البحث عن الوالد المفقود، يكتشف عبد الله، عبر حبكة أفقية، أنه قد هرب أيضاً من  زنجبار نتيجة مؤامراتٍ من تاجر عُماني آخر منافس إلى منطقة في البرّ الإفريقي، تسمى "موانزا"، لكنّه يكتشف، حين يصل إلى هذه المنطقة الواقعة في منطقة البحيرات العظمى بشرق أفريقيا، أنّ والده قد توفي. 
وتكمن أهمية الرواية كذلك في أنّها تُسقط أضواء اجتماعية، يمكن من خلالها التعرّف على تفاصيل دقيقية عن الحياة العريبة القديمة في أفريقيا، خصوصاً في الجانب الشرقي منه، إلى جانب التعرّف على المرأة فيها، فهي غالباً ما يُطلق عليها أسماء  تنسجم مع الطبيعة، مثل أوبانا التي تعني غُصن اللبان، وليلي التي ترمز إلى زهرة محلية، وكذلك باشي فلورا التي تحمل الرواية اسمها، يعود إلى عبق ثمرة الباشي. ونجد في الرواية أيضاً تفاصيل عن الحياة الزراعية، وأهم المنتجات التي جلبها العُمانيون إلى زنجبار، من أهمها القرنفل الذي زرع في زمن الحاكم العُماني سعيد بن سلطان البوسعيدي، وتحوّل إلى سلعة اقتصادية أساسية في شرق أفريقيا.
ظهور بطلة الرواية التي تحمل اسمها، باشي فلورا، رمزي، وفي بضع صفحات، حين كانت طفلة تتبنّاها جدّتها التي لم ترزق سوى بالأبناء. تظهر هذه الطفلة قليلا في طفولتها، ثم نراها، حين تكبر، تركب القطار وتتّجه ناحية الجامعة. ربما قصدت الكاتبة أن تجعلها رمزا للجزيرة المفقودة التي نشأت فيها آلاف الأسر العُمانية منذ أجيال، وبسبب الأحداث اللاحقة، وتحديداً المذبحة في عام 1964، كما يورد ذلك بالوثائق الباحث العُماني ناصر الريامي، في كتابه "زنجبار شخصيات وأحداث"  
ثمة كتب عديدة عن جزيرة زنجبار والحياة فيها، إلّا أنّ معظمها يتناول حياة القصور والحكم، ولم يتوسّع في تناول دقائق الحياة الخاصة للعرب العُمانيين فيها، وما يدور في مجالسهم، والمؤامرات التي يحيكها بعضهم لبعض، ومهنهم غير التجارة وإدارة المزارع. أما في رواية جميلة الهنائية، فنجد صانع الحلوى العُمانية، وبائع الأعشاب، والحجّام، وطبّاخ المرق والثريد؛ الذي يفخر بحرفته التي تعلمها من أبيه الذي عمل وقتًا طبّاخا في بيت العجائب، وهو مقرّ حكم متطوّر، حتى إن فيه مصعداً كهربائياً في ذلك الزمن البعيد، وعُرف به أكثر السلطان العماني برغش البوسعيدي. وغير هؤلاء، تزخر الرواية بأصحاب الحرف، نقرأ عن أصحاب المهن الملتبسة، مثل علوان المر الذي يتعامل بالربا، وجون قاطع الطريق وقائد عصابة من اللصوص. 
الرواية سلسة في صياغتها، ومليئة بالحوارات، ما جعل الشخصيات تعبّر بحرية عن نفسها في مختلف المواقف، كما أنها انتقلت بين فضاءات مسلمة وأخرى مسيحية، عبر أشخاص تجمعهم الحياة العامة في تناغم وتآلف.

593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
محمود الرحبي

كاتب وقاص عُماني، صدرت له تسع مجموعات قصصية، وأربع روايات، فاز بعدة جوائز عربية

محمود الرحبي