رسائل هيلاري .. مرسي رئيساً محاصراً

22 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

ساهمت ضجة أثارتها أخيراً بعض وسائل الإعلام العربية عن رسائل من بريد وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، هيلاري كلينتون، سبق أن نشرتها الحكومة الأميركية في عامي 2015 و2016، في إعادة الاهتمام بما ورد في تلك الرسائل من معلوماتٍ عن عالمنا العربي. وعلى الرغم من قدم الرسائل، وأنها نشرت منذ سنوات لأسباب أميركية داخلية تتعلق بالصراع الدائر في الولايات المتحدة، وبحقوق نشر المعلومات، ومحاولة بعض وسائل الإعلام العربية المحسوبة على النظم الاستبدادية تشويه مضامينها لأغراض سياسية، إلا أن قراءة بريد كلينتون، بعمق وحيادية، تمثل فرصةً للوقوف على معلومات جديدة عن رؤية الخارجية الأميركية والاستخبارات التي جمعتها عما دار في المنطقة في أوج انتصار ثورات الربيع العربي. 

ويهتم هذا المقال بمضمون حوالي عشرين تقريراً استخباراتياً ورسالة دبلوماسية، كشف عنها بريد كلينتون، تتعلق بالشهور الستة الأولى لحكم الرئيس المصري الراحل محمد مرسي، أو الفترة من يونيو/ حزيران وحتى ديسمبر/ كانون الأول 2012. وعلى الرغم من قلة الرسائل، وأنها غطّت فترة مهمةً وطويلة نسبياً، وتركت ثغرات عديدة، إلا أنها تمثل مصدراً مهماً للمعلومات والرؤى الجديدة عما دار في مصر خلال تلك الفترة بعيون الخارجية الأميركية واستخباراتها وموظفيها الدبلوماسيين. 

ويجب هنا الإشارة إلى أن التقارير الاستخباراتية اعتمدت، في الغالب، على أكثر من مصدر، خصوصاً في جماعة الإخوان المسلمين وفريق الرئيس مرسي الرئاسي والمجلس الأعلى للقوات المسلحة والدبلوماسيين الأجانب. ولعل تعدّد تلك المصادر وتنوعها ساعدا على بناء صورة جيدة نسبياً. كذلك يمكن القول إن الرسائل التي كشفت عنها الخارجية الأميركية من بريد كلينتون رسمت عدداً قليلاً من الملامح الجديدة لصورة الرئيس مرسي، ملامح لم نعرفها من قبل، أو لم يسلّط عليها ضوءٌ كافٍ، وقد تساعدنا على فهم ما حدث. 

لو حاولنا تلخيص تلك الملامح في فكرة واحدة، لقلنا إن الرئيس مرسي كان محاصراً بشكل لم يتوقعه كثيرون. كان محاصراً من جميع القوى التي أحاطت به تقريباً. ونحن هنا لا نتحدّث عن قوى المعارضة فقط، كجبهة الإنقاذ أو الفلول والدول العميقة. ولا نتحدّث فقط عن قادة الجيش، وفي مقدمتهم المشير حسين طنطاوي قبل إقالته، ثم وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي. كان الرئيس مرسي محاصراً من أقرب المحيطين به، وفي مقدمتهم حلفاؤه السلفيون وجماعة الإخوان المسلمين نفسها. 

ترسم الرسائل صورة إصلاحية للرئيس مرسي رجلاً حريصاً بشكل مستمر على استقرار البلاد، والمصالح الاقتصادية للمواطن العادي

ترسم الرسائل صورة إصلاحية للرئيس مرسي رجلاً حريصاً بشكل مستمر على استقرار البلاد، والمصالح الاقتصادية للمواطن العادي. الهم المتكرر له في الرسائل وقف الاضطرابات وتحقيق الاستقرار وتحريك عجلة الاقتصاد وتحقيق إنجاز اقتصادي للمصريين وجذب الاستثمارات الخارجية. وهنا تشير رسالة بعث بها مساعد كلينتون للشؤون الاقتصادية، روبرت هورماتس، بعد عودته من القاهرة في نهاية ديسمبر 2012 إلى أن الحكومة المصرية كانت حريصةً على الحصول على قرضٍ من صندوق النقد الدولي في أقرب فرصة، لتستخدمه في تحسين أوضاع الاقتصاد المصري، ولكنها، في الوقت نفسه، كانت حريصةً على عدم زيادة الأعباء على المواطنين، أو زيادة أسعار الوقود، كما كانت حريصةً على الحديث مع الناس والفوز برضاهم، وعلى إجراء إصلاحات جادّة للاقتصاد المصري، تتعدى ما يطالب به الصندوق.

كان الرئيس مرسي حريصاً على عدم إراقة دماء المتظاهرين، وعلى تحقيق قدر من الاستقرار يجذب الاستثمارات، وعلى بناء تجربة اقتصادية ناجحة، وحتى لمّا وقعت حرب غزة (نوفمبر/ تشرين الثاني 2012) كان حريصاً على وقفها، ليس فقط نصرة لغزة وأهلها، ولكن أيضاً حفاظاً على هدوء (واستقرار) مصر والمنطقة وحكوماتها الجديدة. لم تُظهر الرسائل ميل الرئيس مرسي إلى أي جهة خارجية، ولم تُظهر له أولويةً تفوق حرصه على معاش المصريين.

مشكلة مرسي أنه كان محاصراً منذ اليوم الأول بشكل قد لا يتوقعه كثيرون

كان الرئيس مرسي أيضاً حريصاً على الديمقراطية. كان مستعدّاً لتأجيل الانتخابات والدستور الجديد، وعلى تقليل صلاحياته رئيساً، وعلى تعيين رئيس وزراء يتمتع بمعظم صلاحياته بعد الانتخابات. كان همه الأساسي تحقيق الاستقرار والديمقراطية، ولم يخش اللجوء إلى الانتخابات، لأنه باختصار كان يؤمن بأنه وجماعته وحزبه سيفوزون بها بأغلبية صغيرة وسيعودون إلى الحكم مجدّداً.

مشكلة مرسي أنه كان محاصراً منذ اليوم الأول بشكل قد لا يتوقعه كثيرون. شعر بأن المعارضة الليبرالية والعلمانية بقيادة جبهة الإنقاذ ضعيفة وليست عدوه الأول. فقد كان يرى أن عدوه الأول هم الفلول والدولة العميقة وبقايا نظام حسني مبارك، خصوصاً في القضاء، والذين حلوا مجلس الشعب، وكان يخشى من أن يحلّوا جمعية كتابة الدستور، وربما يلغون الانتخابات الرئاسية نفسها، كما ذكر مصدر إخواني في أحد التقارير الاستخباراتية، ولعل خشيته منهم كانت سبباً رئيسياً في إصداره الإعلان الدستوري (نوفمبر/ تشرين الثاني 2012) والذي تسبب له في أزمة سياسية كبيرة.

كما كان محاصراً من حلفائه في الحكم وشركاء الإخوان المسلمين، وهم حزب النور السلفي، إذ يفيد أكثر من تقرير بأن مرسي كان على خلافٍ مع قادة الحزب، وبأنه شعر دوماً بمزايدتهم عليه، وخصوصاً فيما يتعلق بالتدين والعلاقة مع الغرب وإسرائيل، وأنهم كانوا يثيرون الشارع والمتدينين ضده، في الوقت الذي كان يحاول فيه تحقيق الاستقرار.

وثق مرسي كثيراً بالسيسي، وأضعف المخابرات العامة لصالح المخابرات الحربية، حتى باتت المؤسسة الأمنية الأقوى

كان مرسي أيضاً محاصراً من جماعته ذاتها، إذ تتحدّث أغلب التقارير الاستخباراتية المفرج عنها عن صراعه المستمر مع قادتها، وفي مقدمتهم مرشدها ورئيس حزبها محمد الكتاتني. ويغيب عن التقارير اسم رجل الإخوان المسلمين القوي، خيرت الشاطر، ودوره، لأسباب غير واضحة. ولكن وبشكل عام، تقول التقارير إن "الإخوان" أرادوا مرسي رجلاً لهم في الرئاسة، وليس رئيساً قوياً يتمتع باستقلالية وصلاحيات. توقع قادة "الإخوان" في بداية حكم مرسي أن يخوّل معظم صلاحياته لرئيس وزراء (منهم على ما يبدو) ولكتلتهم البرلمانية، ولكنهم فوجئوا بأنه أجرى حواراً سرياً مع المجلس العسكري قبل توليه الرئاسة، ما أثار غضبهم ضده في أواخر يونيو/ حزيران وأوائل يوليو/ تموز، حيث عقدوا معه سلسلة اجتماعات "ساخنة"، بحسب التقارير. كان قادة "الإخوان" ينظرون إلى مرسي مرشحهم الثاني على أنه رجل قليل الكاريزما سريع الغضب. ولكن مع إصراره على الاستقلالية وممارسة صلاحياته وظهوره سياسياً ودولياً بدأوا يعقدون عليه أملا في نجاح خطتهم للوصول إلى انتخابات تشريعية في منتصف 2013، ونقل السلطات إلى رئيس وزراء يمثل الكتلة البرلمانية الكبرى. ولما حدثت أزمة الإعلان الدستوري وجدوا فيها فرصةً لإعادة تأكيد نفوذهم على الرئيس.

تتحدّث التقارير عن حديث السيسي المتكرّر عن دعمه الدولة الإسلامية المعتدلة التي يريد مرسي والإخوان المسلمون بناءها في مصر

تقول التقارير أيضاً إن مرسي وثق كثيراً بالسيسي، وإنه أضعف المخابرات العامة لصالح المخابرات الحربية، حتى باتت هذه المؤسسة الأمنية الأقوى في البلاد. ولا تتحدّث التقارير عن سر العلاقة بين الرجلين، ولا كيف بدأت، ولكنها تقول إن مرسي حاول التودد لجيل الضباط الأصغر في المجلس العسكري، وفي مقدمتهم السيسي، على أمل أن يساعدوه في إطاحة طنطاوي وسامي عنان، وأن السيسي هو من ساعد مرسي على التخلص منهما. ولكن التقارير نفسها تثير تساؤلاتٍ بشأن ما إذا كان السيسي قد أخبر طنطاوي بإقالته قبل الإقبال عليها. كما تتحدّث التقارير عن حديث السيسي المتكرّر عن دعمه الدولة الإسلامية المعتدلة التي يريد مرسي والإخوان المسلمون بناءها في مصر، وهي دولة تكرّر الحديث عنها شعاراً للمرحلة الجديدة، من دون شرح واضح أو تفاصيل. وبلغت درجة اعتماد مرسي على السيسي أنه طلب من المخابرات الحربية اختراق مظاهرات خصومه، وجمع تقارير عن قادتهم، وخصوصاً قادة حزب النور، السلفي، لاستخدامها ضدهم "لو تحوّلت المظاهرات المضادة للحكومة لخطر أكبر ضد النظام"... وهكذا أحكم الحصار على الرئيس.