دروس عابرة للحدود

دروس عابرة للحدود

20 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

انهار الاحتلال الأميركي في أفغانستان، وانهالت معه عشرات الأسئلة، منها ما وجد إجابات عنه، ومنها ما لا يزال برسم الوقت، بعد زوال غبار الطائرات الهاربة من مطار كابول حاملة حشود من العسكريين المهزومين، والدبلوماسيين المُحرجين، ومستشارين وخبراء فاشلين. تُقلع طائرات الإخلاء من مطار كابول محمّلة بالأسياد ذوي العيون الملوّنة والشعر الأصفر تاركة خلفها مئات من المتعاونين الأفغان الذين عملوا لخدمة الجيوش الأجنبية، وعاشوا في كنفها. من أبرز الأسئلة التي ستبحث عن إجابات خلال الأيام، وربما السنوات، المقبلة، هل يمكن لأقرب حلفاء واشنطن وأصدقائها أن يتعلموا مما حدث في أفغانستان؟

في مقدمة الدروس وأهمها، أن لا أصدقاء دائمين ولا أعداء دائمين في السياسة وإنما هناك مصالح دائمة. وفي السياسة الأميركية تحتلّ المصالح، مصالح "أميركا أولاً " الصدارة، وحتى عندما لا يكون لابد من الخسارة، فالمصلحة تقتضي القبول بالخسارة الأقل. وفي حالة الاحتلال الأميركي لأفغانستان، ومع تراكم الخسائر طوال عقدين، وتضاؤل الإنجازات، اختارت الولايات المتحدة وقف النزيف، وترك البلاد لتواجه مصيرها. ولا حلفاء دائمين في السياسة، سيما عندما يصبح هؤلاء الحلفاء عبئاً يستنزف الخزانة الأميركية، وبدلاً من حماية المصالح الولايات المتحدة يصبحون علّة وعالة على واشنطن.

مع الخروج الأميركي الذليل من أفغانستان، بعد عشرين سنة من النفوذ العسكري والسياسي والثقافي، يتكشف مدى الكذب الذي روّجته الولايات المتحدة عن بناء أفغانستان الحديثة الديمقراطية. لم تصمد دولة "أميركا" سويعات، وسلمت مفاتيح الحكم بلا مقاومة. هرب الرئيس المنتخب إلى خارج البلاد، وتدافع نواب الشعب وممثلوه نحو مطار كابول للهرب على متن الطائرات الأجنبية. انفرط الجيش الوطني ولم يصمد جنده وقادته أمام مقاتلي "طالبان"، وذهبت ملايين الدولارات التي أنفقت في التجهيز والتدريب في دقائق، وكأنها لم تكن. لم يصمد الجيش ولم يدافع عن العاصمة، وسلّم مفاتيح القواعد بكل ما فيها من عتاد وأسلحة لقادة "طالبان". وبعد عشرين سنة من الكذب الأميركي، اعترف الرئيس جو بايدن قبل أيام، في دفاعه عن قرار سحب قوات بلاده من أفغانستان بالقول:"لم نذهب إلى أفغانستان لبناء أمة". والصحيح أن واشنطن لم تسخر أموالها وخبراتها لبناء أمة أو دولة حديثة في أفغانستان، بل عملت على رعاية وحماية طبقة سياسية فاسدة تحميها مراكز نفوذ مسلحة، همّها بالأساس حماية مصالحها والاستحواذ على مقدّرات البلاد وما تحصل عليه من مساعداتٍ دولية، لم يستفد المواطن الأفغاني منها إلا الفتات القليل.

للفشل الذريع الذي منيت به الولايات الأميركية وحلفاؤها في أفغانستان تداعيات تتجاوز حدود ذلك البلد، سوف يُسمع صداها حيث توجد القوة الأميركية بشكل مباشر أو غير مباشر. سوف تتعرّى أنظمة الحكم المتغطية بقوة النفوذ الأميركي، عندما يُرفع عنها الغطاء الأميركي، وبالتالي عليها مراجعة حساباتها قبل فوات الأوان، والتدقيق في إمكانية الاستمرار بحكم الوطن بسطوة الأجنبي أو صيته. وسوف تتعلم الشعوب بأن الخلاص من حكم الأجنبي وأعوانه ممكن مهما طال الزمن، ومهما بلغت جبروت الاحتلال وتعدّدت أدواته.

انتهى الاحتلال الأميركي لافغانستان، وعادت حركة طالبان لتمسك بزمام الحكم في بلادٍ أنهكتها الاحتلالات المتوالية والصراعات الداخلية المستمرّة. وكل الرجاء أن لا تعود الحركة إلى سابق عهدها في قمع معارضيها من مكونات المجتمع الأفغاني وترهيبهم، خصوصا النساء، وأن تكون الحركة استفادت من تجربة العشرين سنة الماضية. كل الأمل أن تنجح القوى الأفغانية في تجاوز المرحلة، والإسراع إلى بناء الدولة على قواعد وطنية تخدم مصالح المواطن الأفغاني أولاً، وفي مقدمة أولويات عملها إعادة الثقة في مؤسسات الدولة، والاستمرار في تطوير قطاعات الصحة والتعليم والخدمات. والمرجوّ أن لا يخذل المجتمع الدولي المواطن الأفغاني ثانية، ويساعده في بناء دولته والنهوض بأمته. ليس من مصلحةٍ لحركة طالبان، ولا من مصلحة للمجتمع الدولي في تحوّل أفغانستان إلى دولة فاشلة تتحصن في جبالها تنظيمات إرهابية.