خسارة ماكرون

15 نوفمبر 2020
الصورة

ماكرون في باريس (11/11/2020/فرانس برس)

+ الخط -

سعى شارل ديغول الذي أحيت فرنسا ذكرى وفاته الخمسين قبل أيام إلى تمييز سياسات بلاده عن الهيمنة الأميركية التي برزت بشكل أكثر وضوحاً في ستينيات القرن الماضي، إبّان الفترة "الذهبية" من الحرب الباردة. وكان الجنرال الذي ارتبط اسمه بتحرير فرنسا من الاحتلال النازي قد عبّر بمضض عن عظيم امتنانه للدور الأميركي في التحرير، وخصوصاً مع الإنزال البحري في منطقة النورماندي في السادس من يونيو/ حزيران سنة 1944. كما لم يُنكر الآثار الإيجابية لخطة مارشال التي ساهمت في إعادة البناء. إلا أن العلاقات سرعان ما تأثّرت سلباً بنفور ديغول، الشخصي والفكري، من السعي الأميركي للهيمنة غير المباشرة والتأثير في قرارات أوروبا في العلاقات الدولية، وفي إدارة العلاقات التجارية. كما أبدى انتقاده الشديد حلف شمال الأطلسي (الناتو) في رسالة موجهة إلى القيادتين، الأميركية والبريطانية، سنة 1958، من دون أن يتخذ أي إجراء فعلي. وفي السابع من مارس/ آذار 1966، أعلن ديغول إيقاف مشاركة فرنسا في القيادة المشتركة للحلف، مشيراً إلى مسألة السيادة الوطنية، ورفض وجود قوات أجنبية على الأراضي الفرنسية، مع تنويهه إلى استمرار وقوف فرنسا إلى جانب الحلفاء في أي أزمة عسكرية تواجه أحدهم. وكان للقرار الوقع السلبي الكبير في الإدارة الأميركية. وقد حافظ كل خلفاء ديغول على العمل به حتى سنة 2009، حين قرّر الرئيس نيكولا ساركوزي عودة فرنسا إلى القيادة المشتركة للحلف.

العلاقة بين ماكرون وترامب متميّزة، مزيج من الصداقة الشخصية والتخاصم الاستراتيجي

أنهى هذا القرار حقبة من "التوتر" الودي والهادئ بين الإدارتين، الأميركية والفرنسية، ولم تستمر روحية ديغول الاستقلالية عن السياسة الأميركية بعد هذا التاريخ، على الرغم من وصول الاشتراكي، فرانسوا هولاند، الذي أدار العلاقة مع واشنطن بحذر شديد، خصوصاً مع وجود باراك أوباما في البيت الأبيض. ومع وصول ايمانويل ماكرون إلى قصر الإليزيه في مايو/ أيار 2017، كان دونالد ترامب يشغل البيت الأبيض. وفي بداية عهده، سعى ماكرون، وهو تلميذ الفيلسوف الفرنسي بول ريكور، إلى التقرّب من تلميذ البورصة والعقارات ترامب. وإثر فوزه بالرئاسة، أسرع ماكرون إلى دعوة ترامب ضيف شرف إلى استعراض 14 يوليو/تموز بمناسبة العيد الوطني الفرنسي. ولم تُشكل شعبوية ترامب الفاضحة أي داعٍ للتلكؤ في سعي ماكرون هذا. كانت العلاقة بين الرجلين متميّزة، فهي مزيج من الصداقة الشخصية والتخاصم الاستراتيجي، فملفاتٌ كثيرة دفعت الخلاف بينهما إلى أشدّه، كالاتفاقية النووية مع إيران التي انسحب منها ترامب، وتعتقد فرنسا أنها من أهم إنجازاتها الدبلوماسية إلى جانب الموقعين الآخرين.

قلق ينتاب ماكرون من فقدان دورٍ يعتقد أنه فرضه على الغرب الأوروبي، في أن يكون زعيماً أوروبياً منفرداً نسبياً في ظل ابتعاد الإدارة الترامبية عن الشؤون الخارجية

من النقاط المشتركة بين الرجلين وصولهما، بشكل مفاجئ، إلى سدّة الرئاسة، عبر فوزهما بالانتخابات ضد الطبقة السياسية التقليدية. كما يجمع بينهما سعيهما الدائم إلى أن يظهرا سياسيين مختلفيْن عن أترابهما التقليديين. في المقابل، كان ترامب، مع شعاره "أميركا أولاً"، يسعى إلى تنمية مفهوم الدبلوماسية الأحادية، في حين، حاول ماكرون أن يلعب دور المُتصدّر العالمي لترويج دبلوماسية متعدّدة الأطراف. وأهمل ترامب ملف البيئة، وشكّك بالخطر المحدق بالكرة الأرضية، عبر تصريحات غير مسؤولة، ترجمت جهلاً حاداً بالحقائق العلمية التي تُنذر بخراب مرتقب مع التغييرات المناخية السائدة. وأدّى هذا الموقف السلبي من القضية البيئية إلى انسحاب أميركا من اتفاقية باريس للمناخ لسنة 2015. وأخيراً، انسحب ترامب من منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو) التي تتخذ باريس مقرّاً لها. 

اصطدمت ثقة إيمانويل ماكرون المتضخمة بقدراته على إقناع محاوريه، بدءاً من الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مروراً بالزعماء اللبنانيين، وصولاً إلى دونالد ترامب، بقدرات الأخير على المساومة، على الرغم من أن علاقتهما الشخصية كانت تتميّز بالحرارة. ومنذ قرابة العام، توترت العلاقة مجدّداً، إثر تصريح ماكرون إن حلف شمال الأطلسي في حالة موت دماغي، واعتبر ترامب هذا التصريح يُقارب توجيه الشتيمة إلى الدول الأعضاء في الحلف. وقد تبين بأن موقف ماكرون، في تقييمه هذا، يستند أساساً إلى عضوية تركيا في الحلف. وفي هذا ترجمة واضحة للتوتر الحاد في العلاقات بين باريس وأنقرة في ملفات عديدة، بدءاً من الشمال السوري، مروراً بمياه المتوسط وثرواتها والعلاقة مع ليبيا، ووصولاً إلى إقليم ناغورني كاراباخ.

وجد ماكرون في ظل ترامب مساحة ملائمة للحركة وللتعبير

اليوم، يتابع ماكرون بحذر مسار دخول بايدن المرتقب البيت الأبيض. وعلى الرغم من ارتياحه المبدئي لعودة "العقلانية" والسياسة القابلة للاستشراف، إلا أنه قلق من فقدان دورٍ يعتقد أنه نجح بفرضه على الغرب الأوروبي، في أن يكون زعيماً أوروبياً منفرداً نسبياً في ظل ابتعاد الإدارة الترامبية عن ملف الشؤون الخارجية، وترك المشهد بعيداً عن سياسات توجيهية، لطالما طبعت الدبلوماسية الأميركية خصوصاً مع الحلفاء. وقد استفاد ماكرون من هذا الانسحاب الجزئي الذي ترافق مع ضعف حماس المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، لموقع الزعامة باعتبارها تُنهي مسارها السياسي بهدوء.

هناك حلفاء بنيويون واستراتيجيون لترامب حزينون على غيابه، كما عبد الفتاح السيسي ونتنياهو ومحمد بن زايد ومحمد بن سلمان وبولسونارو، أما إيمانويل ماكرون، فقد وجد في ظل ترامب مساحة ملائمة للحركة وللتعبير.