خدّك الأيسر أبا عبيدة

خدّك الأيسر أبا عبيدة

17 نوفمبر 2023
+ الخط -

حتى بين الضّحايا هناك مراتب، ودرجات ونوعيّات مفضّلة، فنُحبّ نحن في منطقتنا (شرق الأمور) الضّحية البطل، الذي يتقبّل مصيرَه، ونصفهُ بالمعجزة، والخارق للطبيعة البشرية الواهنة. نأسف لحظّه أيضاً، لكنّنا نريح ضميرنا، بإقناعهِ أنّ الضّحية تتقبّل مصيرها بشجاعة، مهما كان. أمّا الغرب، فيُفضّل الضّحية اللطيفة الطيّعة، التي لا تقاوم أو تعترض، بل تتقبّل مصيرها بصمت وصبر، كما يجدُر بالنموذج الحديث للضّحية.

في فيلم مارتن سكورسيزي "قتلةُ زهرة القمر"، يلفتنا ما يمكن وصفها بـ"تقنية صنع ضحيّة طيبة". حيث نرى "الهنود الحُمر" ضحايا ليّني العريكة، لا يتجاوز ردّ الفعل على قتلهم مراسمَ جنائز حافلة بطقوس الحزن العظيم، يليه اجتماع الكبار الذي يشكو ويندّد، مثل اجتماعات القمم العربية. ونرى في شخصيات الفيلم مادّة صالحة للضحيّة المثالية: شيوخ عجزة، وشابّات غنيات، يقعن بسذاجة في حبال الفتيان البيض، الطامعين في أموالهن، والذين لا يتردّدون في قتلهنّ من أجل ميراثهن. ولصورة شاملة، نجد أيضا الشباب المدمن والتائه في ملذّات طارئة.

لا ثورة، لا مواجهة، لا سلاح، لا مقاومة، بل حتى النّساء وهن يريْن أزواجهن يسيئون معاملتهن، لا يفعلن شيئاً، بل يستسلمن لقدرهن. وحين جاء مكتب التحقيقات الفيدرالي برجاله البيض، ليُحقّقوا "العدل"، كان الأوان قد فات، بعد أن قُتلت شقيقات مولي، بطلة الفيلم، مع بقية أقاربها. وسُلّ القتلة من السجن، بعد محاكمة صورية، كالشّعرة من العجين.

في عالم اليوم، على الشعوب المحتلة والممنوعة من الحرية أن تنتظر يد الغرب الأبيض، لتُنقذها بشروطها، مثل اتفاق أوسلو الذي أُجهض رغم تنازلاته. ليخرج المجرمون بدفاتر بيضاء، من غير سوء. وعلى الفلسطينيين أن يعيشوا في عنق الزّجاجة، طالما هناك واحدة على الأقل. لا يرفع أحدُهم يده ولو بالاحتجاج، وإلّا صار إرهابيا. إلى أن يتمّ محوُهم من على الأرض، بالتّدريج، ثم من التاريخ كما يشتهي الكيان الطفيلي، الذي لا يكفّ عن الانتشار والتوسع والانتفاخ. لا يمكن للطّفيليات أن تصبح خلايا صحّية، تعيش وفق قوانين الطبيعة السّليمة، بل عليها أن تكون الكائن الشّاذ، الذي يأكل غيره ليعيش.

ألم تسمع عن الضّحية الطيبة التي تدير خدّها الأيسر، يا أبا عبيدة؟ تدميرُ دبّابات وأسرِ جنود "إيه اللي جاي تقول عليه"؟ الضّحايا "أولاد الحلال" لا يفعلون هذا. كان عليكم أن تجلِسوا وتنتظروا الإبادة، ثم بعد قرن أو قرنين، سيذكُرون كم كنتم ضحايا طيّبين. ومن أجلِ تلك الذكرى، سيُمنح لبعض أحفادكم المشتّتين على الأرض، صفات شرفيّة فولكلورية. ومع ذلك لن يُذكر اسم الجاني، كأنّكم تلاشيتُم هكذا من تلقاء أنفسكم، كما يتلاشى النّدى على الزجاج، مع انبلاج الفجر.

رأينا في هوليوود الهنود الحمر، وحوشا بدائية تقتل البيض الأبرياء الذين يحملون مشعل الحضارة والتمدّن. هم ناكرو الجميل، انتهى بهم الأمر بأن يخضعوا، بعد أن كادوا ينقرضون. ورأينا أيضا المقاومين الفيتناميين في صورة مخلوقاتٍ متوحشة، على الجندي الأميركي الشجاع قتلها كي لا تقتله. لكن من المعتدي؟ لا يهم. فلا أحد تهمه حقيقة أنّ هؤلاء محتلون ذهبوا لقتل واغتصاب أجساد وأرض أبرياء اضطرّوا إلى حمل السّلاح، لحماية أرضهم وأنفسهم، لكنهم بهذا يخرُجون من فئة الضّحايا الطيّبين المرضيّ عليهم.

هوليوود تمثّل نمط التفكير الغربي السائد، لذا نعود إليها، وإلى روايتها لأسباب الانسحاب الأميركي. وهي، الخسائر التي تكبّدها الجيش، وضغط أهل الجنود الخائفين على أولادهم. أما الضّحايا، فليسوا سوى أرقام. ولا يمكن الإقرار بانتصارهم الذي أجبر، وحده، الأميركان على الانسحاب.

وفق هذا المنطق، ما كان على الفلسطينيين أن يُحرجوا الغرب، ويُحرجوا صورتنا أمام أنفسنا، ويقاوموا. بل كان عليهم أن يموتوا في صمت، أو يغادروا من غير رجعة. ليتنفّس الجميع الصّعداء، وتُطّبع جميع الدول العربية مع المجرم، ويواصل الغرب أخذه بالأحضان لقلقلة المنطقة، التي رغم الأحضان والاعتراف لن تسلم من شر هذا الكائن الطّفيلي، الذي يحظى بحماية عرابته المفضّلة، وبالدور الرئيسي في هذا الفيلم الممجوج، الذي نجلس جميعاً (نحن الشعوب المغلوب على أمرها) في خلفيته ككومبارس، ليس عليهم سوى أن يقفوا من دون حركة، لتأثيث المشهد.

596D72F8-6B45-4709-8735-7AC0F35F2CE1
596D72F8-6B45-4709-8735-7AC0F35F2CE1
عائشة بلحاج

كاتبة وصحافية وشاعرة مغربية

عائشة بلحاج