حين ينكسر القلب

حين ينكسر القلب

20 فبراير 2023

(عامر داود)

+ الخط -

لم تشأ الإعلامية والصحفية السورية، إيلاف ياسين، أن تجعل من قصة شقيقها الشاب وزوجته اللذين راحا ضحّية الزلزال حالة عامة، غير أنها انطلقت منها نموذجا لما جرى مع آلاف من قصص توجع القلب، ولتبث إلى العالم بصوتها المتهدّج وقلبها المكسور وروحها الشجاعة عبر صفحتها في "فيسبوك" من قلب أنطاكية، مدينة الموت والفجيعة، عمق (وهول) المأساة التي ألمّت بالأتراك والسوريين على حد سواء. تفاصيل مروّعة تصف ما يحدُث على الأرض من إخفاق إدارة الأزمة التي وصفتها بالسيئة في عمليات الإنقاذ، وما يجري من تمييز في تحديد أولويات البحث "لأنه حتى بالموت في واسطة"، وعرقلة عمل المتطوّعين السوريين، والفوضى الأمنية، وعمليات السطو والنهب. وصفت أنطاكية بالمدينة التي تشبه الموت، لأن رائحتة  تنبعث في كل مكان، الجثث مجهولة الهوية ملقاة في العراء على الطرقات، بانتظار من يتعرّف عليها. 
استدعت إيلاف بذاكراتها المحتشدة الويلات التي مرّت على الشعب السوري، مثل حصار حلب ومخيم اليرموك والقصف الروسي العنيف على العزّل من الأبرياء. قالت إيلاف من عمق حزنها ووجعها ومرارة استسلامها "للأسف ما عندي بشارة". وناشدت تجّار المآسي بالكفّ عن بيع الوهم للمنكوبين والمفجوعين الذين فقدوا، في لحظةٍ، أحبّتهم وبيوتهم وأمنهم وأمانهم. وأفادت، في بثّها الحي المباشر، بأن ثمّة إشارات إلى أن هناك أحياء تحت الأنقاض، غير أن السلطات المسؤولة اتخذت القرار بسحب فرق الإنقاذ وإحضار الجرّافات لحصد الأشلاء مع الأبنية المهدّمة في استهانة سافرة بأرواح البشر بذرائع لوجستية، لن تعزّي أمّاً مكلومة تحتضن جثمان وحيدها، وتأبى أن تفارقه، أو طفلا فقد  في رمشة عين عائلته بأسرها، وبات، بين لحظةٍ وضحاها، يتيما شريدا مرعوبا هائما في أطلال مدينة باردة موحشة مهدّمة بالكامل، وليس ثمّة من يأخذ بيده المرتجفه أو يدفئ روحه الملتاعة غير المدركة تماما أنه أصبح وحيدا في مواجهة دنيا قاسية ظالمة، لن ترحم سنوات عمره الغضّة، وقد تحوّل إلى مجرّد رقم آخر في سجلات منظمات الإغاثة. 
ما يغيظ بعد كل ذلك السواد أن الحياة تواصل دورتها، والناس يواصلون حياتهم، يأكلون ويشربون وينعمون بالدفء تحت أسقف بيوتهم، يسهرون أمام شاشات التلفزة يتابعون أخبار الزلازل، باعتبارها فيلم رعبٍ لا يعنيهم كثيرا، بل يتأهب كثيرون للاحتفال بعيد الحب، يشترون الورود الحمراء والدببة لأحبتهم، وهم لا يدركون من معنى الحب سوى بعده الاستهلاكي السطحي الساذج. قد تستفزّ المشاهد المحزنة مشاعر التعاطف والرأفة، غير أن ذلك سرعان ما يتوقّف عند ذلك الحد، لأن من اختار موقع المتفرّج سيظلّ عاجزا، ليس بإمكانه إحداث أي تغيير، سيما وأن مساهمات الدول في عمليات الإغاثة ما زالت متواضعةً خجولة، ودون التوقع. وحتى اللحظة، لم تقدّم إلا قلة منها مساهمات حقيقية ملموسة، علها تخفّف، ولو قليلا، من وقع الكارثة. ولا بد، في هذا السياق، من الإشادة بأصحاب القلوب الطيبة المتعاطفة من أفراد مؤسّسات الإغاثة الإنسانية والمتطوّعين من الأبطال، أصحاب النخوة والشهامة من الجنود المجهولين، منكري ذواتهم غير العابئين سوى بفعل الخير، وقد هرعوا ضمن إمكاناتهم المحدودة إلى مدّ يد العون وإغاثة الملهوفين ممن تقطّعت بهم سبل العيش، وانحرموا من أبسط مقوّماته. 
.. كل العزاء للزميلة إيلاف ياسين في مصابها الكبير بأخيها وزوجته وبأبناء وطنها، والعزاء موصولٌ لكل من فقد عزيزا في هذه المصيبة الكبرى التي ينبغي أن تجعلنا نتأمل طويلا في معنى الحياه وجدواها، وتضعنا في مواجهة سؤال العدالة ومدى حقيقة وجودها على هذه الأرض الغادرة.

AD06A645-8A0A-4B42-9292-5FC44B5D51C6
بسمة النسور

كاتبة أردنية، تحمل الليسانس في الحقوق، صدر لها ست مجموعات قصصية، وكتبت نصين مسرحيين. تكتب في الصحافة العربية منذ 1990، وتشغل موقع رئيسة تحرير مجلة "تايكي" المتخصصة بالإبداع النسوي.