حوار الأضداد

حوار الأضداد

05 يوليو 2021
الصورة

(إيتيل عدنان)

+ الخط -

قالت امرأةٌ قوية الشخصية، ناصحة مجموعة من الصديقات المحبطات بالكفّ عن التذمر والنحيب: ليس أمامكن سوى أن تعشن الحياة يوماً بيوم، وألّا تلتفتن نحو الوراء. دعن الماضي وجراحاته خلفكن، ولا تقلقن كثيراً بالمستقبل، لأنّ كلّ شيء مقدّر ولن يغيّر قلقكن شيئاً مما هو مكتوبٌ، لحظة إقراركن بالعجز عن تغيير ما خطّه القدر هي لحظة التحرّر الحقيقية. ردّت أكثرهن إحباطاً: ما تقولينه دقيقٌ جداً من الناحية النظرية، غير أنّ تطبيقه على أرض الواقع يعدّ ضرباً من المستحيل، ذلك أنّ العلم الحديث لم يتوصل بعد إلى اختراع بضعة أزرار يتسنّى لنا الضغط عليها، للحصول على المزاج الرائق المتوازن على الدوام. لكن، على فرض حدوث تلك المعجزة، ألا يجرّدنا ذلك من أهم ملامحنا الإنسانية، ويحيلنا الى روبوتات مبرمجة على حالة الفرح الزائف؟!
ابتسمت المرأة القوية، وأمطرت صاحبة الرد اليائس بوابلٍ من الاتهامات قائلة: أنتِ امرأةٌ كئيبة بالفطرة، تعزّين النكد مثل عينيك، وتوزّعين طاقتك السلبية أينما حللتِ فتسوّدين عيشة المحيطين بكِ. الأمر أبسط كثيراً مما تتوهمين، عليكِ أن تبذلي جهداً حقيقياً للخروج من حالة الحزن والسوداوية. إذا تمكّنتِ من اتخاذ قرار شجاع كهذا، سوف تفاجئين نفسك التي لها عليك حق... فكّرت أكثر الصديقات إحباطاً في مجاراتها حتى النهاية، كي تثبت أنّ ما تتفوّه به من مواعظ لا يتجاوز منطقة التنظير المجاني، لأنّ من يدُه في النار ليس كمن يدُه في الماء، فثمّة فرقٌ شاسعٌ بين الحالتين. قالت لها: ليس بالإمكان إقناع من يتضوّر جوعاً بفائدة الريجيم، لأنّ معدته الخاوية أصلاً لن تساعده في التفكير السليم أو الاستمتاع بأيٍّ من متع الحياة. ضربت لها مثلاً السياسيين اللبنانيين الذين ينخرُهم الفساد، وهم ينصحون الشعب بتقنين استخدام وسائل النقل في مواجهة أزمة الوقود، فيما يتنقلون على راحتهم وحاشياتهم بسياراتهم الفارهة.
استفزّت المقارنة الجائرة صاحبتنا المتفائلة، راحت تؤكّد على مقدار إحساسها بعذابات الآخرين، وعملها على المساعدة ضمن إمكاناتها، إذ تخصص عدة ساعات في الأسبوع للعمل التطوعي. مشيرة إلى أنّ العطاء سبب أساسي للسعادة والرضى عن الذات. أصرّت على التمسّك بالأمل خياراً وحيداً لا ينبغي التخلي عنه مهما جرى. أثارت غيرة المجموعة بقدرتها على تجاوز مآسيها الشخصية، والمضيّ في حياتها. قالت إحداهن، في محاولة لإنهاء الحوار الذي أصبح ثقيلاً: خلص، يا ستّي، أعدك بالمحاولة من جديد، سوف أتعلم منك، وأقتدي بك. لعلّ في ذلك خلاصاً من وقع هذه الحالة المقيتة التي ركنت إليها منذ زمن، حيث الأشياء فقدت معناها، ولم يعد هنالك ما يثير البهجة في قلبي.
... ما عبّرت عنه النسوة المحبطات حالة عامة، يعيشها ناسٌ كثيرون في هذا الزمن الصعب المركّب، غير أنّ استجابة كلّ منا تختلف. هناك من ينطوي على نفسه، يفقد اليقين والقدرة على الإحساس بمعاناة الآخرين، ويتحوّل إلى نموذج أناني، غير مكترثٍ إلّا بذاته، يستكين إلى أحزانه، ويستمرئ القنوط في سواد الحزن والكآبة. يعزل نفسه مختاراً تائهاً في دوامةٍ حالكةٍ من رثاء الذات، والتحسّر على ما مضى والتوجس من القادم. وهناك من يملك الشجاعة الكافية والنظرة الواقعية للاعتراف بأنّ الحياة لا تتوقف عند أحد، وأنّها بقدر ما تأخذ منا، فإنّها تمنحنا الكثير. وهذا ما ينبغي المراهنة عليه، ليس هناك من مخرجٍ آخر، فالحزن لن يجرّ سوى مزيدٍ من الحزن. لا مناص من مقاومة الهواجس والأحزان، والتكيف والتحكّم بانفعالاتنا، والحدّ من حساسيتنا العالية تجاه ما يستجدّ بنا من أحداث... وذلك أضعف الإنجاز.