حوارٌ مع أمٍّ قلقة

حوارٌ مع أمٍّ قلقة

05 ابريل 2021
الصورة

(لؤي كيالي)

+ الخط -

أعربت الأم المكترثة عن قلقها الكبير على مستقبل ابنتها الثلاثينية الجميلة المهذبة. قالت بحزن: أخشى أن يفوتها قطار الزواج، بسبب بلاء كورونا الذي أوقف مسار الحياة، وحدّ من المناسبات الاجتماعية. لم نعد نخرج إلا في حدود العائلة الضيقة وفي حالات الضرورة. اختفت الدعوات إلى حفلات زفاف، تبذل الصبايا فيها جهوداً استثنائية للاعتناء بمظهرهن. لم تعد هناك أعياد ميلاد، أو حفلات تخرّج تضمّ في العادة أمهات يبحثن لأولادهن عن عرائس مناسبات. تخرّجت ابنتي بتفوّق من أفضل الجامعات مهندسة مدنية. وبسبب ظروف البلد الاقتصادية الصعبة، وتفشّي البطالة واستحالة التعيين في مؤسسات الحكومة التي تعاني من بطالةٍ مقّنعة لم يحالفها الحظ بالحصول على وظيفة، وبدأت تدريباً في شركةٍ هندسيةٍ كبرى في القطاع الخاص، تستغل حاجة الشبان والشابات إلى العمل واكتساب الخبرة، فتعرض عليهم فرصة التدريب بمكافأةٍ متواضعةٍ لا تغطي كلفة مواصلاتهم، وتستنزف طاقاتهم في ساعات عمل طويلة من دون مقابل. بالنتيجة قدّمت استقالتها، ووجدت أن المكوث في البيت أكثر جدوى وأقل إحباطا. حاولت إقناعنا بالموافقة على سفرها للعمل في الخارج، ما كان مرفوضاً بالمطلق من العائلة.
وجاءت مصيبة كورونا لتُجهز على فرص التقائها بأحد. كنت، في السابق، أتواجد لهذه الغاية في الاستقبالات المنزلية التي تدعو إليها ربات بيوت فاضلات، تلتقي فيه النساء في صبحيات ممتعة، وتستعرض الأمهات جمال بناتهن وحسن تربيتهن ومهاراتهن في التدبير المنزلي، ما يشجّع المهتمات من أمهات الشبان على حثّ أبنائهن للانخراط في مشروع زواجٍ مضمون النتائج! وعلى الرغم من الاختلاف الجذري مع هذا المنطق، لا أحد يمكن أن يلوم تلك الأم التقليدية القلقة، وهي التي ما زالت تؤمن بنجاج زواج الصالونات بتدخل وتدبير من أولياء الأمور، وهم الأدرى بمصلحة أولادهم كما ترى، وهي تطمح إلى مستقبل مستقر آمن لابنتها مع شابٍّ ناجح من عائلة محترمة، يضمن لها حياة كريمة، لأنّ تلك سنّة الحياة، ولن يرتاح بالها قبل حدوث ذلك.
أسرّت لي أنّها، وبسببٍ من يأسها، قرّرت الاستعانة بخاطبة محترفة، زوّدتها بصور البنت مع سيرتها الذاتية، تحفيزاً للعرسان الطامحين بزوجةٍ عاملةٍ تشاركهم أعباء الحياة. أنهت كلامها بأنّ كلّ شيء قسمة ونصيب، لكن، علينا أن نبذل جهداً حقيقياً للعثور على عريس مناسب. وكما يقول المثل "اخطب لبنتك قبل أن تخطب لابنك"، ذلك أنّ الزوجة هي المتضرّرة الأكبر في حال فشل الزواج، لا قدّر الله. يستطيع الرجل مواصلة حياته والزواج من جديد من دون أن يعيبه أنّه مطلّق، على العكس من المطلّقة التي ينظر لها المجتمع بريبة وحذر، كما لو كانت مرضاً مُعدياً. قلت لها إنّه ما دام كلّ شيء قسمة ونصيب فمن الممكن جداً ألاّ تعثر ابنتك على ضالتها، بل ربما كان مقدّراً لها أن تقضي حياتها من دون زواج: أين المشكلة؟!
قالت بانفعال: أعوذ بالله منك ماذا ينقصها كي تتزوّج وتفرح وتصبح أماً؟ وحين أبديت تحفظي على عرض الفتيات بهذا الأسلوب المهين، وقلت لها إنّ الطريقة الأمثل للزواج أن تختار البنت شريك حياتها من دون ضغط أو تأثير أو تدخل وسطاء، أسمعتني محاضرةً طويلةً عن شبان هذا الجيل الفاشل العابث المستهتر غير المسؤول، المتسكّع في المقاهي سعياً إلى الاحتيال على الفتيات، وتوريطهن في علاقاتٍ غير محترمة، وهو ما لا يفضي إلى زواج. ثم قالت بلهجةٍ لم تخلُ من رجاء: "لديكِ معارف كثيرون، يا عزيزتي .. يا ريت تدلّيهم على بنتي"... ولأنّي أخذتُ قراراً بعدم مناقشة أيّ كان في قناعاته، مهما بدت مستهجنة، وعدتُها أن أفعل، وأخذت أقلّب في ذهني أسماء العرسان المحتملين من أبناء الأصدقاء، والله من وراء القصد.