حسن حنفي... رحّال وحكّاء كسبته الفلسفة

حسن حنفي... رحّال وحكّاء كسبته الفلسفة

01 ديسمبر 2022
+ الخط -

على ظهر سفينةٍ في سنة 1956، يسافر مغامرا بصدره إلى باريس، لا على حساب الدولة، ولا على حساب هيئةٍ ما، ويحصل على الدكتوراه من السوربون، بعدما أجاد الفرنسية والألمانية، رغم أنه، كما يذكُر، كانت توضع الخطوط الحمراء من تحت سيرته، لكونه يميل، معجبا أو منتسبا أو محبّا، لجماعة الإخوان المسلمين، وناقدا لها أيضا، وهو الذي يحضر مؤتمراتهم ويحمل معه أيضا "الكمان"، وأشار إلى أن يكون "قلمان وكتاب" رمز الجماعة، كما ذكر والعهدة عليه في مذكّراته التي كتبها في الثمانين من عمره. وكان بالطبع والمنطقي أن يكون على ظهر الباخرة نفسها في بعثة هو الآخر لدراسة التاريخ الروائي الراحل منذ شهرين بهاء طاهر، وإنْ كان لم يواصل بحثه في التاريخ، فكسبنا روائيا ولم يعد ويداه خاليتان كما حدث مع السيد يس "الاستراتيجي في ما بعد". وعاد بهاء طاهر أيضا أكثر ناصرية من عهد الشباب، وأقول من المنطقي ذلك لميوله المعلنة إلى النظام الناصري، حتى قبل أن يكون على متن الباخرة مع حسن حنفي، ورحل كذلك ولم يتزحزح قيد أنملة، كما رحل سيد يس ولم يعد بشيءٍ سوى الاستراتيجية.

ملحوظة جانبية ليست لها صلة بالموضوع، كان والد بهاء طاهر أزهريا، ووالد حسن حنفي على درجة صول شرفي بسلاح البيادة كموسيقيّ بالجيش، وكان من الأوائل الذين وجهوا الموسيقار، علي إسماعيل، بحكم القرابة، للالتحاق بمعهد الموسيقى لدراستها في المعهد أولا، قبل احترافها والتلحين.

وتُعتبر كل هذه المواضيع جانبية بالنسبة لعنوان المقال، وهو الحكي والارتحال عند حسن حنفي، والمغامرة أيضا بأنواعها كافة. وإن ظلّ كما هو المحب للموسيقى، والتي ضحّى بها أيضا في باريس من أجل الفلسفة وصعوبة الأوضاع عليه، كرجل مرتحل بلا مال ولا أفدنة جرى بيعها له، كي يسافر بها، كما كان يحدُث دائما لأولاد الكبراء وكبار الملّاك، بل كان معاش والده ستة جنيهات مصرية، علاوة على تعليمه خمس بنات يتطلّعن إلى الزواج والتعليم. بالفعل، تُعتبر سيرة حسن حنفي سيرة مغامر ومكافح ورحّال وحكّاء من الطراز الفريد، رجل ثورته على طرف لسانِه دائما، وإن توارى في نظرياته وكتبه، إلا أنه أقر في أدبياته الشفوية لتلاميذه، بأنه مثل رجل العصابات "في أفكاره وتحدّيه السلطات"، وأنه يعمل بنظام "اضرب واجرِ"، بلا مواجهة أو عنتريات.

عاد من باريس محمّلا ببطولة القول والنظريات ودور الفلسفة، خصوصا وهو يحمل تراثا معرفيا من المعتزلة والأشاعرة وأهل الكلام، كان عبد الناصر على حافّة الهزيمة، وأجهزته الأمنية تصوغ له هالات الانتصارات. أما قيادات الإعلام فحدّث ولا حرج، فما أشبه اليوم بالبارحة حقا، وكان العائد قد ذاق حرية العيش والتعايش في الغرب، وفي باريس، ولا وجه للمقارنة بالطبع، وخصوصا حينما عاد محمّلا بالأمل في 1966، ونحن أمام تباشير الهزيمة 67، بعد إنجازه الدكتوراه في السوربون. وهنا يقول: "ثم استدعاني رئيس الجامعة محمد مرسي محمد معترفا بأن محاضراتي مسجّلة في قسم الدقّي، وهناك تحذيرات لي عن طريق رئاسة الجامعة بأنني موضوع تحت المراقبة، والأفضل أن أصمت أو أخفض الأصوات أو أن أقبل الدعوة التي أتتني من إسماعيل الفاروقي لأزامله التدريس في الولايات المتحدة فقبلت الرحيل".

وفي الولايات المتحدة، سافر حسن حنفي كرحّالة في طول الولايات وعرضها بنظام المواصلات الحرّة "100 دولار". وعن طرافة العيش والمناكفات يحكي حسن حنفي عن تلك الرحلة والمشاهدات في بقاع الولايات المتحدة بروح حكّاءٍ لا لاجم عنده للمشهد أو طرف الحكاية أو نهايتها أو وسطها أو حتى منطقها في السرد، بل ينطلق في عفوية، أراها هي عفوية الكتابة والحكي والقفز من مشهد إلى آخر من دون رابط أو سبب أو حتى منطق، فينطلق من طرافة هدية يوم الزواج "دكر بط بفيونكة حمراء"، إلى محاولة إقناع دكتور عبد الرحمن بدوي له بأن يصير أستاذا للفلسفة مكانه، بعدما أراد عبد بدوي التوجه إلى إيران، وذلك في جامعة عين شمس، فينظر إلى حوائط قسم الفلسفة وطوبها الأحمر ويرفض عرض بدوي معللا ذلك "بأن الجدران لا تكلمني"، فيرد عليه بدوي: "وهل الجدران تكلم أحدا يا أستاذ؟".

كان حسن حنفي مزيجا من حالة فلسفية وجودية وابن علم الكلام الذي لا يملّ الأسئلة، وينظر إلى كل الإجابات أنها تمثل رحابة التفكير بلا إقصاءٍ أو عنفٍ من أي فصيل، حتى السلطة التي كم عانى منها، حتى سلطة إدارة الجامعة التي تربّى ما بين جدرانها رحمه الله، وخصوصا حينما توجّه إلى الله شاكرا نعماءه، بعد الثمانين قائلا: "الحمد لله أنني لم أسجن أو أعذّب، ولكن السجن كان إراديا، سجن البدن بين أربعة جدران، وسجن الروح وعذابه في حمل الهموم دون التخلي عنها لحساب نظام سياسي أيا كان".