جماعة الإخوان المصرية: من الحركة إلى الأزمة

جماعة الإخوان المصرية: من الحركة إلى الأزمة التنظيمية

27 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

ثمّة صعوبة في النظر إلى الخلافات بين مجموعة الإداريين كحالة عابرة في مسار الإخوان المسلمين، فإن اندلاعه في مركز الحركة وخروجه إلى العلن يمثل تحدّياً لمستقبلها، حيث يثير الجدل ليس بشأن الأحداث الجارية فقط، لكنه يثير النقاش بشأن الميراث التنظيمي والسياسي على مدى العقود الماضية. وبالتالي، يساعد تناول السياقات التنظيمية والسياسية في الاقتراب من مسار الأحداث الجارية. وقد خلص تحليل سابق للكاتب، بعنوان "الإخوان والأزمة السياسية في مصر"، نشر في "العربي الجديد" (22/1/2018) إلى أن تضاؤل فرص تطور الجماعة يرتبط بتصرّف القيادة على نحو يؤدي إلى استمرار الأزمة السياسية وهدر مصالح أعضائها. وهو ما يمثّل مقدمة لمناقشة سلوك مجموعة المديرين وانقساماتها، فقد دارت موضوعات الخلاف ما بين الانضواء تحت النظام الإداري، وانتهت إلى صدور قراراتٍ بحل مكتب إداري في الخارج. وعلى مدى فترة من الخلاف والنزاع، ظهرت ممارساتٌ هي أقرب إلى التهافت على البقاء في المنصب الشخصي، سواء بادعاء الأحقية التنظيمية أو غيرها من المبرّرات. وفي خضم المجادلة، انتشر الكلام والكلام المضاد عن أسباب الخلاف ودواعيه، وهي تدور في بدايتها حول تمرّد مجموعة على قرارات المسؤول الأول، إبراهيم منير، ورفضهم الخضوع للجنة إدارية تم تشكيلها في وقت سابق، ثم تطور لاحقاً إلى رفض التحقيق في سلوكيات، والمحاسبة على التصرّفات المالية والإدارية. ويمثل نشر موقف أحد المسؤولين في 19 أغسطس/ آب 2021 دلالة على المضي في رفض الاستجابة لمطالب المحاسبة والمراجعة أو انتظار التحقيق، ما يُضعف وجود نمط من القيم يراعي التراتب الإداري، ويحمي السُمعة أو يُرقعها.

وفي ظل غموض نظام واضح للمحاسبة، وغياب هذا النظام، تؤكد ردود الأفعال المتبادلة وجود أخطاء جسيمة يُخشى من كشفها أو عرضها للنقاش العام، فقد ظلت الحجج مقتصرةً على التمسّك بالحق الثابت في الموقع التنظيمي، سمة مشتركة بين كل المتنازعين، من دون وجود تصوّر للخطوة التالية. وما يشير إليه بعضهم بالتزام المؤسسية هو نوع من التضليل، فالاتجاه العام للوائح لا يراعي التوازن بين السلطة والمسؤولية، وتطلق العنان للجهة الإدارية للتأويل حسب مقتضيات الحال، وهناك نماذجُ وحالاتٌ كثيرة، تم استخدام اللوائح بشكل متناقض، لم يقتصر على التلاعب بتعريف عضوية مجلس الشورى العام في الخارج، واستخدامه حسب ملاءمة الظروف لمصلحة الشخصية الإدارية، وأيضاً، التمسّك بنتائج انتخابت 2009، على الرغم مما شابها من عيوب وفوات صلاحيتها.

أخطاء جسيمة يُخشى من كشفها أو عرضها للنقاش العام

وفقاً للوضع الداخلي، حسب لوائح سابقة، يُعد مجلس الشورى الحلقة الضعيفة في الهيكل الإداري، حيث تتوقف اختصاصاته عند انتخاب المكتب التنفيذي، وبعدها يكون بلا صلاحيات حقيقية، ليقتصر دوره على مناقشة ما تعرضه الجهة التنفيذية من دون إصدار قرار ملزم، ويتوقف قبول مداولاته وتوصياته أو رفضهما على الجهة الإدارية. لا يمكن اعتبار الموافقة على دخول انتخابات الرئاسة عن صلاحية حقيقية للمجلس، بقدر ما هي خضوع لرغبة جهة الإدارة وإصرارها على الحصول على تفويضٍ تم تمديد المناقشات لأجل الحصول عليه، فعلى مدى تاريخه، لم يحدُث أن ناقش مجلش الشورى موضوعاً على غير رغبة الجهة الإدارية.

وقد ساعد تَغييب المحاسبة والمراجعة إلى عقود خلت في مراكمة كتلٍ من المصالح المتساندة فيما بين المستويات القيادية يصعب التضحية بها. ولعل الفوضى الداخلية منذ ثماني سنوات أدّت إلى ظهور طوائف ارتبطت مصالحهم بالموقع التنظيمي ومكافآت التفرّغ، فيما تزداد مجموعات أخرى تضرّراً من استمرار الأوضاع القائمة والانهماك في الخلافات الداخلية. وهنا، لا تصمد ادّعاءات التضحية والغُرم من المناصب أمام التَحَرُف لجعل الانتخابات آليةً لإعادة تدوير المجموعات نفسها على المواقع التنظيمية.

وفي محاولة لفرض قيود على تناول تصرّفات الجماعة، ميزت الجهة الإدارية بين معرفة الأجهزة الأمنية بمعظم هياكل الجماعة، لكنها غير متوفرة للباحثين أو المجتمع، وبشكل يثير الجدل حول فصام التصرّفات ووصف كل من يتناول أمراً يخصّ الجماعة بالفقر المعلوماتي وخطأ المصادر. وبملاحظة حذف اللائحة من الموقع الرسمي، بعد أن ظلت منشورة سنوات، يمكن القول بتنامي الرغبة في الاستمرار تنظيما مغلقا وتعزيز حالة الجماعة شأناً خاصاً، وبشكل يتناقض مع سعيها إلى الانتشار والسلطة، وهو ما يمكن اعتباره مصادرةً لحق المجتمع في معرفة سلوك واحدةٍ من الديناميات القائمة.

ولتوضيح أسباب الركون إلى السرّية على الأفراد، يحاول بعضهم اعتبار الاضطهاد محلياً ودولياً، على الجماعة طوال تاريخها، مبرّراً لتقدير المسموح به وغير المناسب في عرض شؤون الجماعة. قد ينطبق ذلك، جزئياً، على مراحل ما قبل العام 2011، لكنه يفقد مبرّراته مع مناخ الحرية وخصوصاً في خارج البلاد، فلم يظهر على مدى ثماني سنوات مشروعاً سياسياً أو تنظيمياً، وغابت الرغبة في إعلان تقييم الشكاوى المنتشرة أو معالجتها، بل على العكس، انكشفت أعمال كثيرة مخالفة للقيم والأخلاق.

لعل الفوضى الداخلية منذ ثماني سنوات أدّت إلى ظهور طوائف ارتبطت مصالحهم بالموقع التنظيمي ومكافآت التفرّغ

من الممكن نقد هذه الحجج من جهتين، فمن جهة، يمكن قراءة تكرار السلوك الخطأ، بصورته التقليدية البدائية، كنوع من مسؤولية الإدارة عن اتخاذ قرارات من دون الاعتبار للمخاطر أو تجاهل النظر في التصرّفات ومآلاتها، ما يمثل مُخاصمة للتعليم السياسي من الأزمات التي مرّت بها منذ 1948، بجانب اتباعها أسلوباً تسويفياً من دون بذل جهد في تقليل الخسائر. وبهذا المعنى، تكون الأزمة الممتدّة نتاج عوامل مشتركة لا تعفي الجماعة من المسؤولية عن جوانب منها. ومن جهة أخرى، يتم تقديم سردية المؤامرة الكونية الدولية على الجماعة مبرّراً لتواضع الأداء أو لتجنب المحاسبة والمراجعة. تلقى هذه المقولة قبولاً مريحاً لعضويةٍ تم اختيارها على قاعدة الشيخ والمريد والولاء، ما يجعل مهمة الإدارة سهلة في ترويج العداوة مع المخالفين. غير أن بعضاً من القرارات يخالف تلك القناعات، ومنها، نقل مقر قيادة جماعةٍ تتطلع إلى الخلافة الإسلامية إلى لندن، وتمنّي نجاح الرئيس الأميركي، جوزيف بايدن، لتبنيه رؤية في التدخل في شؤون البلدان الإسلامية. تعني هذه السياقات وجود مساحة من التصالح والتفاهم مع قلب "الاستعمار الغربي"، بشكل يُضعف مقولات المؤامرة لدى مُديري الإخوان المسلمين، وخصوصاً لدى ترتيبهم علاقات مع حكومات أجنبية بشأن موضوعات تخص بلدانهم.

ويفيد السياق العام بأن الميل إلى العمل السرّي يُغلف الثقافة السياسية بطريقة تحول دون سرد روايةٍ متماسكةٍ عن الحوادث المفصلية في مسيرة الجماعة. وبشكل عام، سوف تظل ملابسات صدور بعض القرارات إشكالية، ويمكن الإشارة إلى حالاتٍ حديثة، مثل عدم نشر مداولات التحضير المشاركة في انتخابات الرئاسة 2012 و/أو سياقات إصدار الإعلان الدستوري في نوفمبر 2012 ثم التراجع عنه في وقت قصير، أو سياقات ما قبل 30 يونيو/ حزيران 2013، فقد جرت ضمن سياقات إعلامية وسياسية واسعة الانتشار، غير أن مجموعة مديري الإخوان تجادل بأنه ليس لدى أي شخص القدرة على التناول السليم، لنقص معلومات مخزونة لدى أصحابها في السجون أو بمصيرهم بالوفاة، ما يمثل نمطاً مراوغاً لمحو الذاكرة وإضاعة حق المعرفة على المضارّين، والاحتفاظ بحق التأويل الداخلي في وقت لاحق.

غابت الرغبة في إعلان تقييم الشكاوى المنتشرة أو معالجتها، كما انكشفت أعمال كثيرة مخالفة للقيم والأخلاق

وبمراجعة حالات أخرى، تتلازم الخلافات الجارية مع تدهور بنيوي، سواء حسب الطابع الرسمي أو حالة النفوذ. وبشكل يتقارب مع حالات فروع أخرى، مرّت بانقساماتٍ أفقية ورأسية، كما حالة السودان في ثمانينيات القرن الماضي، وليبيا في بداية التسعينيات، سورية والجزائر وأخيراً الأردن. وبإضافة خروج المغرب وتونس من الرابطة التنظيمية لجماعة الإخوان المسلمين، فإنها تكون أمام وضع التواء في بنيتها الداخلية، وخصوصاً أن الفرع المصري ظل عاملاً مشتركاً في كل انقسامات الفروع الأخرى، بسبب تدخله المباشر في الشؤون الداخلية لتلك الفروع. هنا يمكن الإشارة، بشكل خاص، إلى حالتي السودان والجزائر، ففي الأولى كان التدخل بغرض التضييق على حسن الترابي وإضعاف مشروعه الفكري، أما في حالة الجزائر، فيرجع إلى التوسّط بين المتنازعين على منصب المراقب العام من دون فهم التركيبة التنظيمية أو طرح صيغة محايدة تجاه الأطراف المختلفة.

وباستثناء موقف الإخوان المصريين من حسن الترابي والمدرسة المغاربية، تُعبر الانقسامات الأخرى عن أزمات تنظيمية، فقد ظلت المسائل الفكرية ثانوية الاهتمام لدى الفروع الأخرى. وفي أفضل الحالات، قدّمت أفكاراً متردّدة عن التعدّدية والمرأة والانخراط في مناقشات حول الشورى والديمقراطية من دون الخروج بترجيحاتٍ تضمن الترابط بين السلوك والفكر.

وعلى مدى نحو مائة عام، لم تقدّم الجماعة نموذجها النظري للحكم، واكتفت بمقولاتٍ عامةٍ عن الدولة الإسلامية أو الدولة الدستورية والاختلاف حول تسجيل الأحزاب العلمانية والولاية العامة للمرأة، كما استقر تناول الخلافة عند مستوى الشعارات. وقد انعكس عدم الوضوح على التجارب التطبيقية، حيث بدت مخيبةً للآمال، سواء في حالة الوصول إلى السلطة في حالة السودان، والتي تُعتبر فترة كافية لتجريب الأفكار السياسية، أو في حالة مصر حيث لم يتبلور إطار نظري لإدارة الدولة، فضلاً عن نقص القدرة على ابتكار سياسات للتعامل مع الشؤون اليومية، ويتقارب معها تواضع مساهمات مشاركتها في السلطة في الجزائر، الأردن، اليمن والعراق، وأخيراً ليبيا.

ارتباط المنازعات بالتشكيك في الذمم المالية يعمل على تفكيك محاولات بناء سردية الطهرانية وفقدان حسن السمعة، وهي مخاطر تخريبٍ فوق تنظيمية

تترابط هذه السياقات مع عدم تقدّم جماعة الإخوان في أي من المسارات في السنوات الماضية، فعلى مستوى الأزمة الداخلية، ظلت طريقة الإدارة تساهم في زيادة التباعد والانقسام. وبنتائج مماثلة، فشلت في التعامل مع تداعيات ثورة يناير 2011 حتى صارت مُقَسمة بين المنفى والداخل والسجون، وخالية من أفق للخروج من هذه المنعطفات الحادّة، حيث دخلت في تركيب وفك تحالفات هشّة ساعدت على انحدار سقف الأداء والقبول بالعيش داخل مسارات التنظيم حلاً أخيراً.

ومنذ اندلاع الخلاف بين مجموعتي لندن وإسطنبول في أواخر العام الماضي، كانت حركة الإخوان المسلمين، على غير عادتها، أقل انشغالاً بمجريات الحوادث الإقليمية والدولية، وظلت تكتفي بإصدار بيانات خفيفة المحتوى عن مصر وفلسطين وأفغانستان أو غيرها، فيما يتزايد الجدل والانشغال بشؤونها الداخلية، عبر بيانات وتصريحات متبادلة، توضح أن ظهور الخلافات إلى العلن يعني وصولها إلى طريق مسدود ويتم تسويتها على طريقة الإذعان. وهنا، يمكن أن تُشكل الانتخابات المُدارة آلية دائمة في تجديد الهيمنة وتثبيت المواقع التنظيمية.

وبشكل عام، يتلاقى تَجنّب المستويات الإدارية للمحاسبة مع شيوع الانفراد بالقرار والمال بعيداً عن الرقابة، فالوضع الحالي يرسم صورة هي أقرب إلى التخريب، فليس هناك من مبرّر للاستموات على البقاء في المناصب سوى الارتباط بأوضاع مالية أو وجاهة تظهر مؤشّراتها بمرور الوقت. وبالتالي، ارتباط المنازعات بالتشكيك في الذمم المالية يعمل على تفكيك محاولات بناء سردية الطهرانية وفقدان حسن السمعة، وهي مخاطر تخريبٍ فوق تنظيمية بالنسبة لحركة تتبنى الدفاع عن الإسلام والتحلي بقيمه.