تقارب خليجي ومشهد إقليمي متغير

02 يناير 2021
الصورة

سفراء دول الخليج في الكويت في احتفالية رمزية (17/12/2020/حساب الخارجية الكويتية في تويتر)

+ الخط -

تتجه الأنظار إلى الرياض (أو مدينة العلا) التي تشهد انعقاد القمة الـ41 لدول مجلس التعاون الخليجي يوم الثلاثاء (5 يناير/ كانون الثاني الجاري)، وقد جرت العادة على عقد القمم دورياً في العواصم الخليجية خلال شهر ديسمبر/ كانون الأول من كل عام، وتم تبديل مكان انعقاد هذه الدورة من المنامة إلى الرياض، ويشي التأخير الطفيف في موعد عقد هذه القمة بمساع ٍحثيثةٍ تبذل منذ أسابيع، وبعيدا عن الأضواء، لتسوية الأزمة الخليجية. وقد حققت هذه المساعي نتائج إيجابية عكستها تصريحات كويتية رسمية، حيث تقود الكويت جهود التقريب بين الفرقاء منذ اندلاع الأزمة في يونيو/ حزيران 2017، وتحظى في ذلك بدعم عُماني، ودعم دولي من الولايات المتحدة. وإضافة إلى التصريحات الكويتية، صدرت تصريحات سعودية وقطرية مماثلة تعكس ارتياحا لأجواء المباحثات، وتطلعاً لوضع الأزمة على طريق الحل. وتتولى الرياض (ممثلة للإمارات والبحرين ومصر) التباحث مع الدوحة، والراجح برعاية كويتية.

وبينما تُجمع تقديرات مستندة إلى فحوى التصريحات والسياسات المتبعة على أنه سوف يتم نزع فتيل الأزمة ووقف القطيعة والحرب الإعلامية وفتح الأجواء، فإن المصالحة الشاملة وعودة العلاقات الدبلوماسية، كما عودة المياه الى مجاريها على الصعد كافة، سوف تحتاج إلى مزيد من الوقت، وإلى جهود إضافية وتوفير بيئة سياسية ملائمة، قائمة على التوافق في الرؤية للتحدّيات والأولويات. وقد ذكرت تقارير عديدة أنه تمت دعوة الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، إلى القمة، وقد يحضرها بالفعل، في مؤشّر إضافي على أن جهود معالجة الأزمة قد أصابت قدرا من النجاح، وأن الفرصة قائمة لكسر الجليد بين القاهرة والدوحة.

تقود الكويت جهود التقريب بين الفرقاء منذ اندلاع الأزمة في يونيو 2017، وتحظى في ذلك بدعم عُماني، ودعم دولي من الولايات المتحدة

ويبقى التفاؤل (بغير إفراط) سيد الموقف، بأن ينجح مجلس التعاون في نزع فتيل الأزمة، وهو ما سوف ينعكس إيجابا على شعوب المنطقة، وحتى على المقيمين العرب في منطقة الخليج، في وقتٍ تقترب فيه الذكرى الأربعون لتأسيس المجلس الذي ظل عقودا يستحوذ على الاهتمام، ويعتبر من أبرز التكتلات الإقليمية، غير أن الأزمة الخليجية أضعفت من مكانته، وكبحت انطلاقته أكثر من أربعين شهرا. ويُؤمل مع وضع الأزمة على طريق الحل أن يعود إلى هذا الإطار الإقليمي بعضٌ من وهجه ووزنه المعنوي الذي تضرّر على وقع الأزمة وفي سياقها. علماً أن مؤسسة المجلس بذاتها لم تنجح، ولم تبادر إلى السعي إلى حل الأزمة عقب وقوعها، وما كان ممكنا لها أن تفعل، وذلك لغياب هيئة تسوية المنازعات، على الرغم من أن النظام الأساسي للمجلس، الموقّع في أبو ظبي 25 مايو/ أيار 1985، قد نص على إقامة هذه الهيئة ضمن بنية المجلس التأسيسية.

من غير المنتظر أن تتفق دول الخليج على اتباع سياسة واحدة أو متجانسة في صداقتها مع الولايات المتحدة

وفي واقع الأمر، أقيم مجلس التعاون الخليجي على غرار جامعة الدول العربية، حيث تقود الدول الأعضاء هذه المؤسسة، بغير أن يكون لها أي استقلال نسبي عن الدول الأعضاء، أو أن يكون لها وجود قائم بذاته ولذاته، فوجود مجلس التعاون هو امتداد للدول الأعضاء الست، وليس له كيان قانوني أو مؤسسي على درجةٍ، ولو طفيفة، من الاستقلال عن هذه الدول. ولهذا بدا المجلس شبه مشلول منذ أواسط العام 2017، ومن شأن وضع الأزمة الخليجية على طريق الحل أن تعود بعض الحياة والحيوية إليه، على أن هذه الأزمة لم تكن المستجد الوحيد، إذ نشأت خلال العام 2020 عوامل جديدة، أهمها مسلسل التطبيع الساخن الذي ضم الإمارات والبحرين مع الدولة العبرية. وقد ترافق مع ذلك وسبقه بروز أجندات تناصب تركيا وإيران العداء، وتضع إسرائيل في مرتبة الحليف في مواجهة البلدين، ما يجعل تحديد الخصوم والأعداء والأصدقاء محلّ خلافٍ شديدٍ بين الدول الأعضاء الست، فسلطنة عُمان ترفض الخصومة مع طهران أولا ثم مع أنقرة، والكويت تجمعها علاقات وثيقة مع أنقرة وعادية مع طهران. وتتقاسم الكويت مع الدوحة، وكذلك مسقط، القناعة بأهمية التحاور مع طهران، على الرغم من الإقرار بالخلافات وتسجيل الملاحظات على السياسة الإيرانية، وتقوم علاقات وثيقة بين الدوحة وأنقرة. أما الرياض فقد أبدت، في الأسابيع الأخيرة، انفتاحا على أنقرة، وجرت اتصالاتٌ على أعلى مستوى بين العاصمتين. أما عن العلاقة مع تل أبيب فترفض كل من الكويت وقطر التطبيع سوى في إطار تطبيق القرارات الدولية، على الرغم من وجود قنوات اتصال بين الدوحة وتل أبيب. وتدل جملة هذه المؤشرات على أن الرؤية ليست موحدة بين الدول الأعضاء حيال التحدّيات الخارجية. وهو ما ينعكس على مجلس التعاون الذي كان، في سنواتٍ مضت، يتحرّك ككتلة واحدة داخل جامعة الدول العربية وفي المحافل الدولية، ويصعب حاليا تصور أن يستأنف مجلس التعاون ذلك الدور الذي كان يؤدّيه، إذ لم تعد دول المجلس على قلب رجل واحد.

المصالحة الشاملة وعودة العلاقات الدبلوماسية، كما عودة المياه الى مجاريها على الصعد كافة، تحتاج إلى مزيد من الوقت

وعلى الرغم من أن وصول الديمقراطي، جو بايدن، إلى سدّة الرئاسة الأميركية قد أسهم في توفير ظرف "موضوعي" للتقارب الخليجي، نظرا إلى اختلاف مفاهيم بايدن للتحالفات عن مفاهيم الرئيس المنتهية ولايته، دونالد ترامب، إلا أن من غير المنتظر أن تتفق دول الخليج على اتباع سياسة واحدة أو متجانسة في صداقتها مع الولايات المتحدة، أو حتى من خلال المفاوضات المزمعة، المباشرة أو غير المباشرة بين أميركا وإيران، بخصوص مصير الاتفاق النووي المتعلق بإيران، وحيث ستكون دول الخليج مدعوةً للمشاركة في مفاوضاتٍ متعدّدة الأطراف مع طهران، وذلك لاختلاف الرؤى حول طهران بين دول المجلس وسبل معالجة الخلافات معها.

ويبقى لمجلس التعاون أن يواصل العمل لتحقيق إنجازاتٍ للتقريب في المجال الاقتصادي بين دول الخليج، وبغير طموحات كبيرة كإصدار دينار خليجي موحد على غرار اليورو الأوروبي، ومجالات أخرى مثل التعاون العلمي وتنظيم المواسم الرياضية، وبغير طموح إلى أن يؤدّي دورا في الإطار العربي، وذلك في غمرة التبدّلات في المفاهيم لدى أطراف في المجلس بشأن هوية المنطقة الخليجية وعلاقاتها بالمكونات الإقليمية والدولية.