تعقيبٌ على "جريرة ناشر عربي"

تعقيبٌ على "جريرة ناشر عربي"

21 يناير 2022
+ الخط -

تلقّت "العربي الجديد" الرد التالي من مدير النشر في دار "مدارات للأبحاث والنشر" في القاهرة، على مقال الزميل معن البياري "جريرة ناشر عربي"، بشأن مسمّى كتاب اصدرته الدار مترجما، والصورة على غلافه، وهو "في سبيل الله والفوهرر: النازيون والإسلام في الحرب العالمية الثانية" .. تنشره "العربي الجديد" عملا بحق الرد.

قرأت مقال الأستاذ معن البياري، المنشور في "العربي الجديد" بتاريخ 11 يناير/ كانون الثاني 2022، والمعنون "جريرة ناشر عربي"، حول الترجمة العربية لكتاب "في سبيل الله والفوهرر: النازيون والإسلام في الحرب العالمية الثانية"، وفيما يلي تعليق موجز مني، ناشر الكتاب، عليه:

صاغ الأستاذ معن البياري صحيفة اتهامه للناشر في نقطتين: سوء اختيار العنوان، وصورة الغلاف "المتحيزة". .. أما العنوان فمن حيث الشكل، وأشكر له ذكر أن تعديله تم بالاتفاق مع المؤلف، فإن وصفه بالتجارية لا يعيبُه ولا يعيب الناشر؛ فهذا من طبائع الأمور. لكن نودُّ الإشارة هنا إلى أن الطبعة الألمانية من الكتاب الصادرة عن دار "Klett-Cotta Verlag" عام 2017 عُدِّل عنوان الكتاب الأصلي فيها (Islam and Nazi Germany's War)، بالاتفاق مع المؤلف أيضًا، إلى: (Für Prophet und Führer: Die islamische Welt und das Dritte Reich) [من أجل النبي والفوهرر: العالم الإسلامي والرايخ الثالث]، أي إن التعديل إلى هذه الصيغة وما يقاربها معتاد ومقبول ومتّبع. وثمّ كتابٌ صدر أخيرًا (2021) عن مطبعة جامعة أكسفورد العريقة في موضوع شبيه بموضوع كتابنا عنوانه: (God Save the USSR: Soviet Muslims and the Second World War) [حفظ/ نصر/ أيّد الله الاتحاد السوڤييتي: المسلمون السوڤييت والحرب العالمية الثانية]، وجارية ترجمته. الخلاصة أن هذه الصيغة من العناوين موجودة ومتبعة، ونماذجها كثيرة لا تُحصى في دور نشر تجارية وأكاديمية عريقة.

هذا من جهة الشكل. أما من جهة الموضوع، فهل هذا العنوان لا يعبّر عن مضمون الكتاب؟ مبدئيًّا لو لم يكن يعبر عن مضمون الكتاب لما رضي به المؤلف، لكن فعلًا ما هو مضمون الكتاب الذي "لا" يعبر عنه هذا العنوان؟ كما ذكر السيد معن في المقال؛ مضمون الكتاب هو الرؤية النازية إلى الإسلام والطرائق التي وظّفته بها في سياق الحرب. ما هي الرسالة التي أراد الألمان توصيلها إلى المسلمين كما يبيّن الكتاب؟ أن تحالفكم أيها المسلمون معنا هو تحالف في سبيل الله ضد أعداء الإسلام وألمانيا النازية المشتركين، ولا مانع أن تقاتلوا، والحال هذه، تحت لواء الفوهرر. وماذا كان تصوّر المسلمين المتعاونين؟ نعم، فلنقاتل أعداء الإسلام، وأعداءنا الذين أذلُّونا واضطهدونا ومنعونا إظهار شعائر ديننا، في سبيل الله تحت لواء الفوهرر. إذن، فالعنوان تكثيف دقيق ومحسوب لمضمون الكتاب على الجانبين.

أما فيما يتعلق بمسألة الصورة، فقد اتهم السيد معن الناشر بالتحيّز، لكنه لم يبيّن لمن، أو ضد من، تحيّز الناشر في اختيار الصورة. ولنسأل هنا ما هو أول ما قد يخطر ببال ناشر عربي لصورة غلاف كتابٍ عن العلاقة بين النازية والعرب/ الإسلام. من هو أشهر المتعاونين العرب مع النازي؟ نعم بالضبط إنه الشيخ أمين الحسيني، فماذا يعيب اختيار ذلك الناشر والحال هذه؟ لقد اختار أكثر الناشرين الأوروبيين صور فرقة الخنجر البوسنية المسلمة الموالية للنازي؛ لأنها ببساطة الجانب الذي يمثل تاريخهم في الكتاب؛ هؤلاء هم أقرب المسلمين إليهم ممن تعاونوا مع النازي.

هذا من ناحية الشكل. أما من ناحية الموضوع؛ هل هذه الصورة لا تعبر عن مضمون الكتاب؟ لقد اخترنا هذه الصورة تحديدًا، والتي يستعرض فيها الحسيني فرقة الخنجر البوسنية المسلمة الموالية للرايخ، ويحيّيهم بالتحية النازية الشهيرة؛ لأنها صورة جامعة لكل عناصر العنوان والكتاب؛ ففيها الشيخ العربي المعمّم، وفيها دلالة الوحدة الإسلامية بين مسلم عربي ومسلمين أوروبيين، وهو معنى دندن النازيون حوله كثيرًا كما سيتبيَن لقراء الكتاب، وفيها عنصر التحية النازية الشهير الذي يُبرز الإطار الذي جمع ذلك الشيخ العربي المعمّم مع أشقائه من المسلمين البلقانيين.

ختامًا، بخصوص الموقف من الحاج أمين الحسيني وغيره من الزعامات المسلمة التي تعاونت مع النازي، أقول: من بديهيات الأمور أن التعاون مع طرفٍ ما لا يعني العمالة له بالشكل الكاريكاتوري الذي يستهدف الوصم أكثر من استجلاء الحقائق. لقد تنوّعت أسباب الزعامات السياسية والدينية التي تعاونت مع النازي، كما تنوّعت أسباب نظرائهم ممن تعاونوا مع الحلفاء، فيما بقي آخرون على الحياد.. ما هو موقع أمين الحسيني من كل هؤلاء؟ الحكم في هذا يجب أن يبقى متروكًا للمؤرّخين، ومن ثمّ القراء.