تعديل حكومي في الأردن أمام أزمة مفتوحة

تعديل حكومي في الأردن أمام أزمة مفتوحة

10 مارس 2021
الصورة

وزير الصحة الأردني وامرأة تستعد لتلقي اللقاح ضد كورونا في عمان (13/1/2021/فرانس برس)

+ الخط -

حسمَ رئيس وزراء الأردن، بشر الخصاونة، خياراته حيال وضع حكومته التي بدت مثقلة بأعداد الوزراء عند التشكيل (32)، بإجرائه أول تعديل عليها منذ إعلانها في 2 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. وذلك بعدما طلب من وزرائه تقديم الاستقالة، إثر طلب من وزيري العدل والداخلية، بسام التلهوني وسمير المبيضين، تقديم استقالتيهما بسبب حضورهما مأدبة عشاء قيل إنهما خالفا فيها القانون. وقد فتحت الحكومة الباب للأردنيين على تكهنات شكلها بعد التعديل، فيما بقي سبب الإقالة للوزيرين غامضا. ومع أن الشكل العام للحكومة بعد التعديل وقبل التعديل لم يتأثر بنيوياً، وظلّ مرتبطا بعقد التمثيل الجغرافي والاجتماعي، فإن المناخ العام للبلد لا يعوّل على تحوّل كبير في معادلة الممارسة التنفيذية لأي حكومة، طالما أن المساءلة أمام مجلس النواب ضعيفة. ولحقت بالتعديل في اليوم التالي استقالة وزير العمل وشؤون الاستثمار، معن القطامين، والذي برّرها في رسالة إلى رئيس الحكومة باحتجاجه على عدم تلقيه إجابة على أسئلة طرحها، بخصوص عمل وزارته وتخفيض موازنتها، ما جعله كما قال، في الرسالة، غير قادر على البقاء مع الحكومة.

تراجع مستويات الثقة الشعبية العامة في الحكومات والمؤسسات بشكل كبير

هذه الوضعية للحكومة الأردنية تُعقّد من مسارها العام، بعدما ارتفعت إصابات كورونا إلى أعداد عالية، جعلت الشارع العام يتحدّث بحيرة عن سياسات المواجهة وسبل إنقاذ البلد من أزمته مع الجائحة، والمتضاعفة اقتصادياً، ما يرشّح مهمتها للصعوبة والتأزيم، وبخاصة مع قواعد الوزيريْن المقالين، وهما من الجنوب كما وزير العمل المستقيل، الناشط عبر وسائل التواصل، والناقد سياسات الحكومتين، السابقة والتي كان فيها، فيما يخصّ سياسات التشغيل والعمل والتعامل مع أزمة البطالة. وقد انتقد أمام مجلس النواب تعامل الحكومات السابقة معها، لكونها قنبلة اجتماعية موروثة تكبر ومرشّحة للانفجار. وقد ردّت الحكومة على الاستقالة ببيان صحافي، وفيه أنها طرحت على القطامين ثلاثة خيارات، لكنه قدّم استقالته، مؤثراً الخروج من الفريق الوزاري، بداعي الوطنية والصدق مع الذات. وقد أعاد هذا الموقف السجال العام بشأن آلية تشكيل الحكومة، والخيارات التي قدّمها بشر الخصاونة لاختيار طاقم حكومته، فيما الإجماع أن تحدّيات الراهن الأردني ليست من صنعه، ولا حكومته، وإنما ورثها من أسلافه، غير أن السجال بات الآن بشأن قدرته على أداء مهماته وقيادة فريق منسجم. ويبدو الشارع العام الأردني غير معني بمن يستقيل أو يبقى في الحكومات، في ظلّ ضائقة اقتصادية وجائحة مرضية، وخيارات مرّة.

 الحكومة تواجه صعوباتٍ اقتصاديةً غير مسبوقة، بسبب كورونا، تتمثل بانكماش اقتصادي، وعبء الالتزامات الاقتصادية

في المقابل، السمة العامة للحكومات الأردنية، في آخر عشر سنوات، أن الحكومات تورّث بعضها إخفاقات في ملفات الاقتصاد والاستثمار وارتفاع الديْن العام والبطالة والفقر، ما يُضعف اليقين الشعبي العام بأنها قادرةٌ على تحمّل مسوؤلياتها، وغير مستعدّة للخروج من قالب السياسات الموروثة في صنع الحلول. ولأن الشأن العام لا يقبل الانتظار، فإن الظرفية الراهنة التي تعيشها حكومة الخصاونة ربما تزداد صعوبة؛ خصوصا أن هذه الحكومة طلبت، بشكل غير مباشر، الحصول على الولاية العامة في مواجهة التحدّيات وإدارة ملفات البلد، وهو أمر أشار مراقبون إلى أنها قد تكون بدأته، بعد رسالة الملك إلى مدير دائرة المخابرات العامة، اللواء أحمد حسني، في ضرورة تركيزها على عملها الاستخباري المهني. ومن هنا، ربما ستجد الحكومة نفسها مكشوفة الظهر، في مواجهة تحدّي ارتفاع منسوب النقد العام الذي طاولها أخيرا من نخبٍ محسوبةٍ على الدولة ومجاميع عامة، بالإضافة إلى النقد الدائر شعبياً عبر منصات التواصل الاجتماعي.

الحكومة في وضعية حرجة، خصوصا مع ارتفاع منسوب الغضب الشعبي

ما هي خيارات حكومة الخصاونة؟ الأقوال كثيرة في المجالس المغلقة إن الحكومة في وضعية حرجة، خصوصا مع ارتفاع منسوب الغضب الشعبي جرّاء جائحة كورونا، ومزيد من التحدّيات الاقتصادية التي يواجهها الناس، ما يجعل الحكومة عرضةً للاستهداف الشعبي، في ظل تراجع مستويات الثقة الشعبية العامة في الحكومات والمؤسسات بشكل كبير. وفي موازاة ذلك، تصرّ الحكومة على أنها لا تريد العودة إلى الوراء، أي حالة اللايقين في إيجاد الحلول، على الرغم من ضعف الإمكانات، كما أنها لا تملك حلولا سحرية. وهو ما بدا واضحا لدى الخصاونة في أكثر من مناسبة، بقوله إنه جاء لمهمة كبيرة ولإنقاذ البلاد من التراجع. أما نقد المثقفين الحكومة، فكثيرون منهم يرونه من واجبهم الأخلاقي الاعتراضي، فالمثقف، كما يرى هربرت ماركيوز في كتابه "نحو ثورة جديدة"، يموت حين يتخلى عن وظيفته، تحرير الوعي العام من الأوهام، وفي رفض السائد، وصون الحقيقة من الضياع.

على عتبة المئوية الثانية للدولة الأردنية التي يحتفل بها الأردنيون في 11 إبريل/ نيسان المقبل، تتعاظم التحدّيات أمام حكومة بشر الخصاونة، في ظل ديمقراطية هشة، ومجلس نوابٍ ما زال على بداية الطريق، وقوى اجتماعية صاعدة تعيش أحيانا غضباً يسكنها جرّاء الفقر والبطالة وغياب التنمية الحقيقية، ما يعيدها إلى حالة ما قبل الدولة. ويحدُث هذا كله وسط إقرار عالمي بأن الحكومة تواجه صعوباتٍ اقتصاديةً غير مسبوقة، بسبب كورونا، تتمثل بانكماش اقتصادي، وعبء الالتزامات الاقتصادية، وهو ما جاء عليه تقرير المجلس التنفيذي للبنك الدولي، وفيه إن الجائحة "تركت آثارا سلبية على الاقتصاد، فارتفعت البطالة إلى أعلى مستوياتها القياسية، كما اتسعت معدّلات عجز المالية العامة وميزان المدفوعات الخارجية. والدعم المالي من الصندوق سيساعد الأردن على مواجهة هذه التحدّيات، كما أنه سيكون حافزا للحصول على الدعم من الشركاء الآخرين في التنمية".