تداعيات العدوان على غزّة بعد 4 أشهر صهيونيّاً

تداعيات العدوان على غزّة بعد 4 أشهر صهيونيّاً

12 فبراير 2024

أقارب محتجزين إسرائيليين لدى المقاومة الفلسطينية يتظاهر ون في تل أبيب (8/2/2024 فرانس برس)

+ الخط -

انقضى الشهر الرابع من العدوان الصهيوني على قطاع غزّة ومجمل فلسطين، مخلفًا تداعياتٍ ونتائج عديدة، على مختلف الأصعدة والمستويات، فلسطينيّاً وإقليميّاً ودولياً وصهيونيّاً. وتتعلق المطالعة التالية بتداعياته الصهيونية.
لعدوان الاحتلال على فلسطين وقطاع غزّة تداعياتٌ داخليةٌ كثيرةٌ اقتصاديةٌ وسياسيةٌ، تترافق مع بوادر جدّيةٍ لتداعياتٍ اجتماعيةٍ كبرى، إلى جانب تداعياتٍ خارجيةٍ قد تؤثر على مستقبل الاحتلال وماهيته.
خلف العدوان وعملية 7 أكتوبر تداعياتٍ اقتصاديةً ملموسةً، لكنها لم ترقَ إلى أزمةٍ بنيويةٍ كبرى، نتيجة عوامل كثيرة، أهمّها دور داعمي الكيان الصهيوني المحوري في حلّ مشكلاته الاقتصادية المحتملة، عبر تدخلٍ أميركيٍ وغربيٍ مباشرٍ، من خلال الدعم المادي والتقني، أو غير مباشر، بزيادة حجم التبادل التجاري، والتعاون الاقتصادي، والتسهيلات الاقتصادية المختلفة. فمن ناحيةٍ أولى، يرهق العدوان كاهل الميزانية الصهيونية، إذ صادق الكنيست في مايو الماضي 2023، على ميزانية الاحتلال لعامي 2023 و2024، بمبلغ وقدره 484 مليار شيكل للأولى، و514 مليار شيكل للثانية، لكن ونتيجة عدوانه الهمجي والمسعور بعد 7 أكتوبر اضطر مجلس الوزراء الصهيوني إلى الاتفاق على ميزانية معدلة لعام 2024، بلغت في مجملها 582 مليار شيكل؛ تنتظر موافقة الكنيست لإقرارها رسميّاً، أي بزيادةٍ قدرها 72 مليار شيكل، أي أقلّ بقليل من 20 مليار دولار، كما تضمن الاتّفاق بعض الاقتطاعات المالية من مخصّصات بعض الوزارات، لصالح تمويل العدوان ومعالجة تداعيات عملية 7 أكتوبر، إذ بلغت الاقتطاعات نحو 20 مليار شيكل. كما وافق الكنيست في 14/12/2023 على إضافة 25.9 مليار شيكل؛ نحو سبعة مليارات دولار، على ميزانية عام 2023، لتمويل العدوان على قطاع غزّة وفلسطين.
إذًا فقد فرض العدوان الصهيوني ارتفاعًا كبيرًا في ميزانية الاحتلال لعامي 2023 و2024، بلغ 15 مليار شيكل للأول، و72 مليار شيكل للثاني، أي بلغت الزيادة 5.35% لعام 2023، و14% لعام 2024، مع العلم أن زيادة ميزانية العام الحالي تفترض انتهاء العدوان في الربع الأول من هذا العام، وهو ما يعني انتهاءه خلال شهرين على أبعد تقدير، في حين يصر قادة الاحتلال، خصوصاً رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الأمن يوآف غالانت، على أن تحقيق أهداف الاحتلال من عدوانه يتطلب عدوانًا طويلاً ومستمرّاً لأشهرٍ طويلةٍ، وربّما لسنواتٍ أيضًا!

تتفق مجمل القوى السياسية الصهيونية، وقسمٌ كبيرٌ من حاضنتهم الاجتماعية على ضرورة مواصلة العدوان حتّى تحقيق أهدافه المعلنة صهيونيًا

نجد أيضاً على صعيد الأرقام الاقتصادية أنّ إقرار ميزانيّة 2024 المعدّلة سوف يفرض ارتفاعًاً في عجز الموازنة من 2.25% إلى 6.6%، فضلاً عن توقّعات الخبراء الاقتصاديين والمراكز البحثية الاقتصادية بتراجع معدل النمو الاقتصادي الصهيوني لعام 2023 إلى 2% فقط، بعدما كان 6.5% في 2022. كذلك تراجعت الصادرات الصهيونية في 2023 بـ 6% مقارنةً بعام 2022، ويعزى انخفاض حجم الصادرات الصهيونية؛ خصوصًا بعد 7 أكتوبر، إلى عوامل عديدة، منها انخفاض حجم الرحلات الجوية من وإلى تل أبيب، وتراجع النقل الجوي والبحري، فضلاً عن انخفاض الإنتاجية الصهيونية نتيجة الاستغناء عن العمالة الفلسطينية القادمة من الضفّة الغربية، وبدرجة أقلّ من قطاع غزّة، إلى جانب الاستدعاء الواسع لجيش الاحتياط؛ إذ أفادت صحيفة يديعوت أحرنوت الصهيونية أن قطاع الهايتك الصهيوني يعاني من خسارة 10% من موظفيه بسبب التجنيد الاحتياطي، فضلاً عن تراجع ثقة المستثمرين الأجانب في منتجات الهايتك الصهيونية، خصوصًا بعد فشلها في منع عملية 7 أكتوبر، أو على الأقلّ في رصد تحرّكات عناصر كتائب عزّ الدين القسام قبل العملية.

سياسيّاً واجتماعيّاً
تبدو التداعيات السياسية الصهيونية مربكةً ومشوّشةً مقارنةً بالتداعيات الاقتصادية، إذ تتفق مجمل القوى السياسية الصهيونية، وقسمٌ كبيرٌ من حاضنتهم الاجتماعية على ضرورة مواصلة العدوان حتّى تحقيق أهدافه المعلنة صهيونيًا، لكن تتباين مواقفهم من عقد اتّفاقٍ لتبادل الأسرى، يتضمن تبييضًا للسجون الصهيونية، من خلال تحرير جميع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الصهيوني. كما تتوارى الأصوات السياسية الداعية إلى إنهاء العدوان، خلف شعاراتٍ فضفاضةٍ، من قبيل استحالة تحقيق الأهداف المعلنة، وخطر انفجار الأوضاع في الضفّة الغربية، والدعوة إلى الموافقة على شروط حركة حماس لصفقة تبادل الأسرى مهما كانت الشروط، وتراجع الدعم الدولي، أو الخشية من تراجعه، وسواها من العناوين السياسية العريضة التي تخفي خلفها دعواتٍ خجولةً لوقف إطلاق النار.
دعوات بعض الساسة؛ وأحيانًا بعض قادة الأمن والجيش الحاليين أو السابقين، الفضفاضة إلى وقف العدوان؛ أو هدنةٍ طويلةٍ، فوراً، أو بأسرع وقتٍ ممكن، تعود إلى أسبابٍ تنافسيةٍ انتخابيةٍ، إذ تظهر مجمل الدراسات الاستقصائية، واستطلاعات الرأي الصهيوني تأييد معظم حاضنة الاحتلال الاجتماعية لاستمرار العدوان، كما في استقصاء معهد الدراسات الأمنية الاستراتيجية الصهيوني (INSS)، التي أظهرت تأييد أكثر من 76% من المستطلعة آراؤهم لهدف إطاحة حكم "حماس" في غزّة. كما يظهر استطلاع معهد الديمقراطية الصهيوني (IDI) الثامن بخصوص العدوان على غزّة أنّ 66% من العينة المستطلعة آراؤهم ترفض الموافقة على المطالب الأميركية بشأن العدوان على غزّة، أي الانتقال إلى مرحلةٍ ثالثةٍ أقلّ كثافةً وحدّةً، في ما اعتبر 54% أنّ العدوان الصهيوني على غزّة هو السبيل الأفضل لاستعادة أسراهم، مقابل 24% اعتبروا أنّ اتّفاقاً مع حركة حماس هو السبيل الأفضل لذلك، حتّى لو كان الثمن الموافقة على جميع شروط حماس؛ بما فيها وقف العدوان وتبييض السجون.

تكشف الأرقام أنّ خسائر الاحتلال البشرية اليوم أكبر من مجمل خسائره على مدار أكثر من عشرين عامًا

من هنا، ننتقل إلى حجم تأييد حاضنة الاحتلال الاجتماعية الكبير للعدوان على غزّة، على الرغم من الثمن الباهظ بشريًا وماديًا، وعلى الرغم من خسارة الاحتلال الدعم الشعبي على المستوى الدولي، ومن تراجع دعم المجتمع الدولي؛ ربّما باستثناء الدعم الأميركي. إن فهم أسباب هذا التأييد تتباين قليلاً تبعاً لتباينات هذه الحاضنة سياسيّاً وأيديولوجيّاً، خصوصًا بين تيارات الصهيونية الدينية المختلفة من جهة، والتيار الأقلّ تطرفًا من جهةٍ أخرى الذي يدعى بتيار العلمانية الصهيونية. إذ تعتبر تيارات الصهيونية الدينية وقف العدوان من دون تحقيق أهدافه الكاملة وفقًا لرؤيتهم لها، انكساراً بنيويّاً، وتراجعًا خطيرًا في المشروع الصهيوني، وهنا تجدر الإشارة إلى أن أهداف العدوان وفقًا لهذا التيار لا تقتصر على استعادة الأسرى والمحتجزين، ولا على تقويض سلطة حماس، أو حتّى تدمير حركة حماس، بل يسعى إلى السيطرة الكاملة والمطلقة على كلّ قطاع غزّة، ونشر بؤرٍ استيطانيةٍ جديدة وواسعةٍ.
بناءً عليه، يبدو العدوان على غزّة من وجهة نظر الصهيونية الدينية خطوةً تكتيكيةً ضروريةً لتحقيق رؤيتهم الأشمل لمجمل أرض فلسطين التاريخية، على اعتبارها أرضًا صهيونيةً بالمطلق، خاليةً من الوجود الفلسطيني، أو على الأقلّ بأغلبيةٍ يهوديةٍ وبأقليةٍ فلسطينيةٍ منزوعةٍ من أيّ حقوقٍ سياسيةٍ أو حتّى مدنيةٍ. كما يؤمن مؤيدو هذا التيار بأنّ هذه مهمةٌ دينيةٌ واجبةٌ على كلّ يهوديٍ، تنفيذًا لرغبة الله، وعليه فهي معركةٌ دينيةٌ أولاً، وواجبٌ مقدسٌ ثانيًا، لذا فهم لا يكترثون برأي الآخرين، بما فيهم الولايات المتّحدة، والمعسكر الغربي قاطبةً. فوفقًا لاعتقاداتهم وخرافاتهم، سوف يساعدهم الرب بطريقةٍ ما، ومنها تهيئة المناخ الدولي المناسب لتحقيق هذه المهمة المقدسة. باختصارٍ شديدٍ العدوان وفق هذا التيار في الدرجات، الأولى والثانية والثالثة، واجبٌ دينيٌ مقدسٌ وإلزاميٌ، ومن ثم وكهدفٍ ثانٍ يلبي نزعتهم للثأر من عملية "طوفان الأقصى".
في مقابل هذا التيار المتطرّف، نلحظ شبه تطابقٍ في مواقف التيار الآخر، الذي يوصف من قبل بعضهم خطأً بالتيار العلماني، ربّما لإبراز الاختلاف والتباين عن التيار الديني المتطرف، وهو تيارٌ عريض ومتنوع الانتماءات السياسية والعقائدية؛ يتضمن قوى يسارية وعلمانية ودينية أقلّ تطرفًا من تيارات الصهيونية الدينية فضلاً عن قسمٍ من جمهور حزب الليكود نفسه، ينظر هذا التيار إلى العدوان على غزّة نوعاً من رد الاعتبار (على الأصح الثأر وفق مفهومه القبلي) على الهزيمة الصادمة في 7 أكتوبر، وعلى الخسائر البشرية الباهظة لأول مرّةٍ في تاريخ الصراع الفلسطيني مع الاحتلال الصهيوني، بل وفي تاريخ كلّ الصراع العربي أو الإقليمي مع الاحتلال الصهيوني. إذ تكشف الأرقام أنّ خسائر الاحتلال البشرية اليوم أكبر من مجمل خسائره على مدار أكثر من عشرين عامًا، أي من عام 2000 إلى نهاية عام 2022 (يبلغ مجموعهم قرابة 1754 قتيلاً)، رغم العمليات العنيفة/ المسلحة التي رافقت الانتفاضة الثانية، التي أخذت طابعًا عسكريًا نشطًا، إذ بلغ مجمل قتلى الاحتلال منذ سبتمبر/ أيلول 2000، حتّى نهاية يوليو/ تموز 2007 نحو 1024 صهيونيّاً فقط؛ من دون احتساب قتلاه على الجبهة اللبنانية، في حين لم يتجاوز عدد قتلى الاحتلال سنويًا منذ نهاية الانتفاضة الثانية حتّى أكتوبر/ تشرين الأول 2023 قتل 35 صهيونيّاً، باستثناء عامي 2006 و2014 حين قتل 165 صهيونيّاً في الأول، و75 صهيونيًا في الثاني، وهنا نتحدّث عن مجمل القتلى بغض النظر عن العمر والجنس والصفة المدنية أو العسكرية.

يحرّك تيار "العلمانية الصهيونية" دافع الثأر، ما يعكس عقيدةً صهيونيةً عنصريةً وإجراميةً قائمةً على مفهوم "تفوقها العرقي على الآخر"

ردَ هذا الثمن الباهظ بشريًا حاضنة الاحتلال إلى وعيها القبلي البدائي، لتبحث عن ثأرٍ مدوٍّ ودمويٍ باهظٍ، انعكس تلقائيّاً في خطابٍ عنصريٍ إجراميٍ يدعو إلى إبادة كامل سكان قطاع غزّة جماعيًا، لم ينحصر هذا الخطاب الإجرامي في تصريحات قادة الاحتلال ودوائره الإعلامية فقط، بل شمل آلاف المنشورات الصهيونية على مواقع التواصل الاجتماعي، بما يعكس امتداده الاجتماعي وتجذره في شرائح واسعةٍ وعريضةٍ، ضمّت من بين ما ضمّت؛ خصوصًا في الأسابيع الأولى التي أعقبت عملية "طوفان الأقصى"، قسماً وازناً من مؤيدي وناشطي ما يعرف بـ اليسار الصهيوني، إذ حاجج قسمٌ من مناصري اليسار الصهيوني بأن الأولوية اليوم للقضاء على حركة حماس مهما كان الثمن، مبررين إجرام جيش الاحتلال، ورافضين أي إشارةٍ إلى مسؤولية ممارسات الاحتلال وسياساته على مدار سنوات احتلاله الطويلة عن عملية "طوفان الأقصى".
إذاً يحرّك تيار "العلمانية الصهيونية" دافع الثأر، ما يعكس عقيدةً صهيونيةً عنصريةً وإجراميةً قائمةً على مفهوم "تفوقها العرقي على الآخر"؛ الفلسطيني هنا، هذا التفوق الذي تُصدرُه كمبررٍ سياسيٍ وأخلاقيٍ ودينيٍ لسيطرتها المطلقة على أرض فلسطين وشعبها، وهنا يتلاقى مناصرو هذا التيار (الموصوف خطأً بالتيار العلماني) مع مناصري تيار الصهيونية الدينية، حول هدف سيطرتهم المطلقة على كامل أرض فلسطين وشعبها، لكنهم يختلفون حول سبل تحقيق ذلك، إذ يرى التيار الأول في سحق الكيانية الفلسطينية ووجودها بخطواتٍ مباشرةٍ وفجةٍ سلوكًا استفزازيًا باهظ الثمن، لذا فإنهم يؤيدون هدف السحق لكنهم يختلفون حول طريقته وآلياته، مفضلين أسلوب السحق الناعم المتدرج، القائم على سلسلةٍ طويلةٍ من الممارسات العدائية المتتابعة التي تفضي في محصلتها الأخيرة إلى سحق هذه الكيانية الفلسطينية، بل والوجود الفلسطيني أيضًا.
يرتكز السحق الناعم المتدرج على ركائز أساسيةٍ أهمّها في الوقت الراهن: أولاً؛ تعزيز دورٍ أمنيٍ فلسطينيٍ، عماده التنسيق الأمني مع سلطةٍ فلسطينيةٍ منزوعة السيادة مكلفةٍ بأدوارٍ أمنيةٍ مركزيةٍ في حماية أمن الاحتلال ومستوطنيه وحاضنته الاجتماعية. ثانيًا؛ حوافز اقتصاديةٌ يتحكم بها الاحتلال كلّيًا، وترتبط بمدى خضوع الفلسطينيين وخنوعهم للأوامر الصهيونية ومصالحها. ثالثًا؛ تمددٌ استيطانيٌ متسارعٌ ومستمرٌ وعدوانيٌ تجاه سكان فلسطين الأصليين، يلغي رويدًا رويدًا أيّ إمكانيةٍ لإقامة دولةٍ فلسطينيةٍ مستقلةٍ مستقبلاً، فضلاً عن دوره المباشر وغير المباشر في تهجير الفلسطينيين قسرًا. رابعًا؛ سيطرةٌ صهيونيةٌ أمنيةٌ مطلقةٌ على مجمل أرض فلسطين وشعبها، تعكس سيطرةً سياسيةً واقتصاديةً مطلقةً أيضًا. خامسًا؛ تقسيمٌ زمانيٌ ومكانيٌ للأماكن المقدسة، يفضي في نهايته إلى تثبيت السيطرة والتحكم الصهيوني المطلق بها. سادسًا؛ إطارٌ دوليٌ داعمٌ ومؤيدٌ للمشروع الصهيوني.

تتراوح دوافع حاضنة الاحتلال الشعبية بين الواجب الديني والثأر المدوي والحاسم

استراتيجية أو أسلوب السحق الناعم هي طريقة تيار "الصهيونية العلمانية" في التحكم بأرض فلسطين وشعبها، وإدامة السيطرة الصهيونية الكاملة في المراحل التي يسود فيها التفوق الصهيوني الكامل من دون أي شكٍّ، أما في مرحلة ما بعد "طوفان الأقصى"، التي مثّلت صدمةً بنيويةً وعقائدية، عصفت بمفهوم التفوق الصهيوني المطلق، وأثارت العديد من الشكوك والخوف داخل الحاضنة الصهيونية الشعبية، وخارجها في أوساط داعمي الاحتلال ومناصريه، فقد عاد التيار الصهيوني العلماني إلى جذوره القبلية باحثًا عن ثأرٍ مدوٍّ، يعيد به ترميم التفوق الصهيوني المطلق، على جثث الأطفال والمدنيين الفلسطينيين العزل.
أخيرًا؛ ينحكّم هذا التيار إلى قواعد ضابطةٍ مؤثرةٍ، تتمثّل في ضرورة الحفاظ على موقع الاحتلال دوليًا، على اعتباره امتدادًا استراتيجيًا للقوى العظمى، أميركا تحديداً، ويخضع لحمايتها المطلقة، كما يخدم أهدافها إقليميًا ودوليًا. إذ يقر مناصرو هذا التيار بحاجة الاحتلال إلى دعمٍ دوليٍ مستمرٍ ودائمٍ، نظرًا لمحدودية قدراته وطبيعته العدوانية التي تخلق مناخًا إقليميًا عدائيًا واسعًا. كما يسعى هؤلاء إلى الحفاظ على نمطٍ معيشيٍ مرفهٍ يشابه نظيره السائد في دول العالم المتحضر، أوروبا وأميركا، وهو ما يتطلب كذلك ارتباطًا وثيقًا بالمعسكر الغربي، القادر على تأمين هذا المناخ اقتصاديًا وماليًا ولوجستيًا. من هنا يتمسك تيار العلمانية الصهيونية بالتحالف مع الولايات المتّحدة، ويتجنب أيّ صدامٍ معها، فهي الركيزة الأهمّ والأولوية الأولى، التي يستوجب الحفاظ عليها التخلي عن أيّ أمرٍ آخر، حتّى لو كان الثمن باهظًا، من قبيل وقف العدوان، أو تنازلٍ سياسيٍ ما، أو انكفاءٍ مؤقتٍ أو حتّى دائمٍ.
إذًا تتراوح دوافع حاضنة الاحتلال الشعبية بين الواجب الديني والثأر المدوي والحاسم، الأمر الذي يعكس تباين الأولويات الآنية والدائمة بين خدمة الرب وبالتالي حمايته ودعمه، أو خدمة أميركا ودعمها، ينعكس هذا التباين اليوم في قابلية تغيير الموقف الشعبي والسياسي من عدوان الاحتلال على قطاع غزّة، وعلى مجمل أرض فلسطين وشعبها.

تكرس التباين السياسي اجتماعيًا بين تياري الصهيونية الدينية والعلمانية الصهيونية، كما تكرّست التباينات السياسية حتّى داخل حكومة الاحتلال

تأثير التداعيات على سياسات الاحتلال وعدوانه 
أدت تداعيات عملية "طوفان الأقصى" وعدوان الاحتلال على كلّ فلسطين، وتحديدًا على قطاع غزّة إلى زيادة مستوى عدم استقرار الاحتلال داخليّا، فقد تكرس التباين السياسي اجتماعيًا بين تياري الصهيونية الدينية والعلمانية الصهيونية، كما تكرست التباينات السياسية حتّى داخل حكومة الاحتلال، بين ممثلي التيارين، فضلاً عن التباينات خارجها. الأهمّ من ذلك ارتفعت احتمالية المخاطر الخارجية، سواء الناتجة عن تعدد الجبهات، أو رقعة الأطراف المشاركة في صد العدوان ومواجهة الاحتلال، من قوى المقاومة الفلسطينية في قطاع غزّة والضفّة الغربية، إلى دور أطرافٍ إقليميةٍ عديدةٍ منها حزب الله وقوى عراقية وجماعة الحوثيين، وصولاً إلى أطرافٍ دوليةٍ مثل جنوب أفريقيا (مواجهة قانونية وسياسية). كما أن هناك مخاطر خارجية محدقة متعلقة بجهود فضح طبيعة الاحتلال وحقيقته دوليًا، تحفزها مئات التقارير اليومية الصادرة عن جهاتٍ دوليةٍ وأمميةٍ لها مكانتها المرموقة دوليًا، إلى جانب جهود جهاتٍ ومنظماتٍ حقوقيةٍ وتنمويةٍ واجتماعيةٍ وسياسيةٍ عديدةٍ حول العالم، أهمّها الحركات النسوية وحركات حياة السود مهمة ومجموعة حماية البيئة والمجموعات الملونة وهيئاتٌ قانونيةٌ وسواها، إلى جانب ناشطين من مختلف الدول ومشاربه. أضف إلى ذلك مخاطر استراتيجية، لم ترق حتّى اللحظة إلى مستوياتٍ خطيرةٍ، لكنها تحمل خطرًا في طياته، إذ تهدد حالة عدم الاستقرار العالمي، وتحديدًا التنافس؛ أو شبه الصراع، الأميركي- الصيني، والأميركي- الروسي، متانة علاقات الاحتلال الاستراتيجية وأولوياتها مع أميركا، ومع مجمل المعسكر الغربي على المدى البعيد، خصوصاً في ظلّ حاجة الاحتلال اليوم إلى دعمٍ طويلٍ وكبيرٍ من أجل تحقيق كامل أهدافه التي أعلن عنها بعد 7 أكتوبر، والتي يعتقد الاحتلال؛ وفق تصريحات قادته ومسؤوليه، أن تحقيقها يتطلب معركةً طويلةً وشاقةً ذات تكاليف ماديةٍ وبشريةٍ وبنيويةٍ باهظةٍ تمتدّ لأشهر عديدةٍ وربّما لسنواتٍ. كما تهدد فداحة جرائم الاحتلال وفجاجتها بالتأثير على علاقات الاحتلال الاستراتيجية كذلك، نظرًا لتعدد الدعاوى القضائية ضدّ الاحتلال وداعميه أمام المحاكم الدولية، والوطنية، ونظراً كذلك لانكشاف حقيقية الاحتلال أمام قسمٍ كبيرٍ من شعوب العالم، خصوصًا في دول المعسكر الغربي.
تؤدّي هذه النتائج الأولية بدورها إلى نتائج داخلية تمس الاحتلال وسياساته وعدوانه الحالي، بل قد تؤثر على ممارساته تجاه أرض فلسطين وشعبها على المديين القصير والمتوسط. هنا لا بدّ من العودة إلى التيارين الرئيسين الناظمين لحاضنة الاحتلال الاجتماعية داخل فلسطين، هما تيارا الصهيونية الدينية والعلمانية الصهيونية، إذ لا يكترث الأول بمجمل النتائج التي تمس مكانة الاحتلال الدولية وصورته وعلاقاته الاستراتيجية مع دول العالم، بما فيها علاقته مع راعيه الأهمّ اليوم الولايات المتّحدة. في حين يضع التيار الثاني هذه النتائج على رأس أولوياته، لإيمانه بأنها عوامل حاسمةٌ لبقاء الاحتلال واستمراره.
إن التيار الموصوف بـ تيار الصهيونية العلماني يدعم العدوان الحالي انطلاقًا من دوافع الثأر الناتجة عن تداعيات عملية "طوفان الأقصى" وتأثيرها على مبدأ التفوق الصهيوني المطلق، الأمر الذي يجعل من احتمال تراجعه عن هذا الأمر ممكناً مستقبلاً في ثلاث حالات: أولا؛ توسّع عمليات المقاومة الفلسطينية النوعية، عبر عملياتٍ نوعيةٍ تعيد إثارة الشكوك بالتفوق الصهيوني المطلق. ثانيًا؛ تصاعد خسائر جيش الاحتلال البشرية، ما يؤدي إلى عزوفٍ عن الالتحاق بالوحدات المقاتلة، وتصاعدٍ كبيرٍ في الحركة الاحتجاجية الرافضة لاستمرار العدوان. ثالثًا؛ ضغوطٌ أميركيةٌ واضحةٌ، وبدرجةٍ أقلّ ضغوط دولية تطالب بوضوحٍ بوقف العدوان الصهيوني على قطاع غزّة، وعلى مجمل أرض فلسطين.

استبعاد تيار الصهيونية الدينية من مواقع صنع القرار الصهيوني، قد يساهم في تحول التباينات الصهيونية الداخلية إلى انقساماتٍ عميقةٍ

وفي ما يتعلق بتيار الصهيونية الدينية، من المستبعد تراجعه عن خياره العقائدي المتمثّل في استمرار عدوان الاحتلال الهمجي على قطاع غزّة، وعلى مجمل أرض فلسطين وشعبها، إلّا في إحدى حالتين اثنتين: الأولى هزيمةٌ صهيونيةٌ شاملةٌ عسكريةٌ وميدانيةٌ، وهو احتمالٌ مستبعدٌ جدّاً نتيجة إمكانيات الاحتلال العسكرية والتقنية، وبحكم احتمال التدخّل الدولي والأميركي لنصرة الاحتلال لمنع هذه الهزيمة. أما الاحتمال الثاني؛ فهو استبعاد ممثلي تيار الصهيونية الدينية عن مواقع صنع القرار الصهيوني (هنا لا يتراجع هذا التيار عن دعمه المطلق للعدوان لكن يفقد تأثيره بهذا الخصوص)، وهو ما بات موضعا من مواضع الخلافات الصهيونية الداخلية، إذ تصاعدت الأصوات السياسية المطالبة بتنحية ممثّلي هذا التيار عن مواقع صنع القرار، من داخل حكومة الاحتلال عبر تصريحات بني غانتس وغادي آيزنكوت، كما من خارج الحكومة عبر قياداتٍ أمنيةٍ وعسكريةٍ صهيونيةٍ سابقةٍ، وعبر ممثّل المعارضة الصهيونية الأبرز اليوم يائير لبيد، وهو الاحتمال الأكثر ترجيحاً مستقبلاً، وإن لم يرق حتّى اللحظة إلى مستوياتٍ جدّيةٍ.
هنا لا بدّ من الإشارة إلى أن استبعاد تيار الصهيونية الدينية من مواقع صنع القرار الصهيوني، وتهميشه سياسيّاً وأمنيّاً وعسكريّاً، وما قد يتبعه من إنهاء العدوان، قد يساهم في تحول التباينات الصهيونية الداخلية إلى انقساماتٍ عميقةٍ، قد تصل حد الصدام المباشر بين مناصري التيارين، أو على الأقلّ بين قيادات التيارين.

خلاصة
تعبّر مؤشّرات الاحتلال الداخلية الحالية عن إجماعٍ صهيونيٍ على استمرار العدوان، يترافق مع اختلافٍ واضحٍ على أولويات الأهداف الصهيونية، بين القضاء على المقاومة الفلسطينية، واستعادة أسرى الاحتلال من غزّة. تخفي هذه الخلافات تبايناتٍ حقيقيةٍ تحمل بزور تحولها إلى انقساماتٍ جديةٍ يرجح أن يؤدي إلى تفكيك حكومة الطوارئ، وربّما استبعاد بنيامين نتنياهو؛ استبعاده حاليّاً غير مرجّحٍ، وتكوين حكومةٍ جديدةٍ مكونة من قوى سياسيةٍ صهيونيةٍ تنتمي لما يوصف بالتيار الصهيوني العلماني. وهو ما قد يتحوّل إلى انقسامٍ اجتماعيٍ أعمق لاحقاً.
سرعة هذه التحولات الصهيونية الداخلية مرتبطة بأمرين اثنين: أولهما؛ استمرار المقاومة الفلسطينية وتزايد وتيرة عملياتها النوعية وكفاءتها، وثانيهما؛ نجاح الحركة الشعبية المناصرة لحقوق الفلسطينيين في إرغام المجتمع الدولي على ممارسة ضغطٍ جدّيٍ لإنهاء العدوان، أهمها الضغط الأميركي، وهما أمران يرجّح حدوثهما في الفترة القريبة المقبلة.