تاريخ ثورتنا: أو ما تم الاتفاق عليه من أكاذيب

22 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

في استقبال ذكرى ثورة يناير، يتم استدعاء اللواء منصور عيسوي، على صفحات مجلة مصرية حكومية، ليقول إن 25 يناير في 2011 لم تكن ثورة، بل مؤامرة على مصر.
حمل منصور عيسوي حقيبة الداخلية المصرية تسعة أشهر بالتمام والكامل، امتدت من مارس/ آذار  وانتهت في ديسمبر/ كانون الأول، حيث كان يقبع في أدراج النسيان، حتى انتشلته الثورة ونفضت من عليه الغبار، وجرى تقديمه في حكومة عصام شرف باعتباره من مظاليم زمن حسني مبارك، ووجهًا بوليسيًا معبرًا عن التغيير .. وذلك كان من الأخطاء الساذجة التي وقعنا فيها جميعًا، مثل خطأ اعتبار عصام شرف اختيارًا ثوريًا.
كان منصور عيسوي نجم غلاف مجلة آخر ساعة، الحكومية، لمناسبة ذكرى الخامس والعشرين من يناير، ليطل تحت عنوان "25 يناير كانت مؤامرة والمشير أنقذ مصر". مشكلته، في ظني، أن ثورة يناير أظهرت بلادته وفشله في منصبه، وكشفت أنه لا يختلف عن حبيب العادلي أو غيره من وزراء الداخلية، ففي شهور حمله المسؤولية، وقعت عملية اقتحام مقارّ أمن الدولة، أو بالأحرى عملية فتح بطن مصر، بمعرفة أصحاب السلطة في ذلك الوقت، لإغراق المجتمع في مستنقعٍ من الملفات، الملفقة منها والحقيقية، ووضع الجميع على مذبح الفضائح والأسرار، وهي الخطوة التي تم استخدام حصيلتها لاحقًا، قبل يونيو/ حزيران 2013 وبعده في عمليات الإخضاع والكسر والسيطرة على كل من يتردّد في أن يكون بخدمة الانقلاب العسكري.
منصور عيسوي، كذلك هو صاحب النكتة الشهيرة "ما عندناش قناصة"، حين كانت أجهزة الأمن تصطاد الثوار كالعصافير بالرصاص الحي في انتفاضتي محمد محمود ومجلس الوزراء في العام الأول من الثورة، ليظهر الوجه الحقيقي للنظام العسكري الحاكم، نسخة أكثر شراسة وخطورة من وجه نظام مبارك.
لكل ما سبق، لم يكن مفاجئًا وجود اللواء منصور عيسوي في صدارة الفوج الأول من رموز الثورة المضادّة الذين اقتحموا ميدان التحرير يوم الثلاثين من يونيو/ حزيران 2013، لتدور عجلة الانتقام من ثورة يناير من دون أن تتوقف حتى اليوم.
استدعاء منصور عيسوي لإهانة ثورة يناير ليس اجتهادًا صحافيًا من مجلة أسبوعية حكومية، بل هو تكليف من أولئك القابعين خلف الستار، يمسكون بكل الخيوط، ويحرّكون كل العرائس ويديرون كل شيء من التحرير إلى النشر والتوزيع والمصادرة، إلى الحد الذي لن تكون مبالغًا فيه لو قلت إن عبد الفتاح السيسي وولده وشركاه هم هيئة تحرير الصحافة المصرية.
قبل أقل من أسبوع، كتبت عن غلاف عدد مجلة الهلال في عدد يناير، ليكون احتفالية بالثورة المضادّة في ذكرى ثورة الشعب المصري الحقيقية، وكنت أظن أنه مبالغة في القائمين على تحرير المجلة، لإظهار الولاء المطلق للجنرالات والاستبسال في الحرب على ثورة يناير، غير أن الأمر ليس بهذه البساطة، إذ اتضح أن قرارات التحرير والنشر لم تعد بعهدة إدارات تحرير الصحف، بل تتحكّم فيها خمس جهات أمنية ورسمية على الأقل، تُعرَض عليها أغلفة أعداد المطبوعات الأسبوعية والشهرية ومحتوياتها، للبت في قرار نشرها.
وما حدث في العدد الخاص بالاحتفال بيونيو في شهر يناير أن الملفّ المنشور جرى تحريره وإخراجه وتجهيزه لمناسبة ذكرى الثلاثين من يونيو، ثم إرساله إلى الجهات الخمس صاحبة قرار النشر، لكنها لم تعط الموافقة عليه في حينه، واحتفظت به لديها، حتى أفرجت عنه في يناير، في سياق اغتيال الذكرى، والإمعان في تكريس الأكاذيب الخاصة بالثورة التي يعاديها النظام الحاكم، إعمالًا للقاعدة البونابرتية التي تقول "التاريخ هو ما تم الاتفاق عليه من أكاذيب".
وعلى ذلك، من المهم أن تتعاطى مع كل ما يحاصرونك به من أكاذيب وروايات ملفقة وشهادات مزوّرة، ملفوفة في أغلفة أنيقة على أنه "متفق عليه" بين الجهات الخمس الحاكمة للصحافة، والتي ليس من بينها نقابة الصحافيين أو هيئة الصحافة، يستوي في ذلك ما تقرأه من شهادات السرد الانتقامي من الثورة، أو ما يتم توزيعه على الصحف والفضائيات في "سكريبت" موحد يتحدّث عن روعة الحياة داخل سجون النظام ومعتقلاته، ووضع شهادات الإشادة والسادة عنوًة وقسرًا على ألسنة الأسرى والمساجين، من دون أن تهتز ضمائر ناشري ما تم الاتفاق عليه من أكاذيب.