انتصار الإسرائيلي... هزيمة

انتصار الإسرائيلي... هزيمة

04 نوفمبر 2023
+ الخط -

يوحي كلّ شيء لدى الإسرائيليين أن جبهتهم الداخلية باتت أضعف بكثير مما كانوا يتوقّعون. لا يعني هذا أنهم على مشارف الخروج من الشرق الأوسط، ولكنه يعني متغيّرات ناشئة من نمو أجيال جديدة في فلسطين المحتلة، غير متصلة بجيل الأجداد الذين ساهموا في احتلال فلسطين قبل أكثر من سبعة عقود. انتقادات بعض جنود الاحتلال رئيس وزرائهم بنيامين نتنياهو، لم تعد سرية، بل تُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي بشكلٍ مباشر، ومن دون إخفاءٍ لوجوهٍ. التقارير عن سرقة الجنود منازل في مستوطنات غلاف غزّة، في ظلّ اعتبارها "منطقة عسكرية"، مُتاحة للجمهور، مع أحاديث مع سكّان المستوطنات الذين فرّوا إلى إيلات، يتهمون فيها الجيش بسرقة بيوتهم. أكثر من ذلك، لم يعد الخوف من الحديث عن لوبيات إسرائيلية في أروقة صناعة القرار في العالم سائداً، بل تجاوز بعضُهم ذلك بالتطرق المباشر إلى عدم جواز ربط إدانة إسرائيل بـ"معاداة السامية"، ومنهم مدير مكتب نيويورك للمفوضية السامية لحقوق الإنسان، كريغ مخيبر، الذي ذكر، في بيان استقالته من منصبه، قبل أيام إن "انتهاك إسرائيل حقوق الإنسان ليس معاداة للسامية".

لم يعد الإسرائيليون، مع كل فجر يبزغ على غزّة المدمّرة، في قوقعة من المثالية والكمال، بل حتى أحاديثهم المتكرّرة عن النازية والبربرية، في نعتهم حركة حماس، لم تعد تلقَى صدى لدى ناسٍ كثيرين، خصوصاً في الغرب. قيل الكثير عن "اليوم التالي"، لكن ما يجب أن يخشاه الإسرائيليون أنفسهم أن العالم، في اليوم التالي، لن يكون قريباً منهم. لن يكونوا كالأوكرانيين، ولو أرادوا ذلك. في اليوم التالي، لن يعود هناك من ينظر إلى الإسرائيليين، بعد تخطّيه "صدمة" مشاهدة وقراءة انتهاكاتهم كل المواثيق الدولية والأعراف الحقوقية والإنسانية، كما كان ينظر سابقاً، بل إن موجة من الغضب والانتقاد الدفين ستُلاحق هذا الجيل من الإسرائيليين.

لن ينتبهوا الآن إلى ذلك، أو لا يريدون الانتباه، بل يعتبرون أن دولاً بعيدة عنهم، مثل كولومبيا وبوليفيا وتشيلي وغيرها، لم تكن قريبة منهم قط، غير أن لعنةً ما ستطاردهم، سيكون وصم كل إيطالي بأنه منتمٍ إلى المافيا بمثابة نكتة مقارنة بما سيتعرّضون له من اتهاماتٍ وأوصاف. أيضاً لا يتعلق ذلك بـ"معاداة السامية"، نحن عربٌ ساميون أيضاً، أليس كذلك؟

يعلم الإسرائيليون، خصوصاً الذين يحتكّون بشكل دائم مع العالم الغربي، أن المستقبل سيكون قاتماً بالنسبة إليهم هناك. سيجدون أن واقعاً جديداً أُفرز، لن يتمكّنوا خلاله من إقناع أنفسهم بأن من يخاصمونهم هم عرب. العرب في الغرب نقطة في بحرٍ واسع، لكن الإسرائيليين هناك سيتحوّلون إلى مجتمع مغضوب عليه، خصوصاً أن مجموعات كبيرة من اليهود في العالم يدينون العدوان الإسرائيلي على غزّة، وينظمون تظاهرات تضامنية مع الفلسطينيين. لن تكون ورقة الدين رابحة بالنسبة لإسرائيل. بمعنى آخر، لن يستطيع الإسرائيليون، تحديداً في عالم يُرى فيه كل شيء تقريباً، حجب الحقائق مهما سعوا، ومن ثم أداء دور "الضحية"، لأن التاريخ الأوروبي تجاه اليهود كان ظالماً، وهو كذلك، لكن الإسرائيليين يمارسون ما مورس بحقّ اليهود، ضدّ الفلسطينيين.

لم تعد إسرائيل، مهما تحدّثت عن "خطر الوجود"، قوّة قادرة على إقناع العالم بالشكل نفسه كما كان في السابق. حتى أنها تدرك أنه في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، هناك كثر "اكتشفوا" فلسطين وقضيّتها، لأن هناك كان ما يمنعهم من رؤية الصورة برمّتها. ربما، وتحت هذه الكلمة ألف خط، سيخرُج الإسرائيليون ويقولون "انتصرنا"، إلا أنه ما معنى الانتصار المبني على دماء شهداء مدنيين، وجدوا أنفسهم بين أسوأ الحلول: الموت أو التهجير من أرضٍ هم الأحقّ بها؟ أي انتصارٍ سيحقّقه الإسرائيليون، فيما المستقبل الدامس يحيط بهم من جباليا والكرامة وخانيونس إلى باريس وواشنطن وموسكو؟ واقعياً؟ هذا ما يسمّى هزيمة.

6F7A33BD-9207-4660-8AF7-0EF5E3A4CD6C
بيار عقيقي
صحافي لبناني، عمل في صحف ومجلات ودوريات ومواقع لبنانية وعربية عدّة. من فريق عمل قسم السياسة في الصحيفة الورقية لـ"العربي الجديد".