انتخابات إسرائيل .. ومفهوم سياسي جديد

انتخابات إسرائيل .. ومفهوم سياسي جديد

28 مارس 2021
الصورة
+ الخط -

كان لما عُرف باليسار الإسرائيلي، موقع متقدم في ما مضى. وبقراءة سريعة لتاريخ حكومات إسرائيل، نجد أن أحزابا بمسمّيات مختلفة، تتشابه من حيث التوجه والبنية الفكرية مع حزبي العمل وميرتس الحاليين، المصنّفين ضمن اليسار السياسي، قد حكمت إسرائيل، وبشكل منفرد منذ إعلان الدولة عام 1948 وحتى عام 1977، كان خلالها اليسار يقود الدولة تحت عناوين حزبية وكاريزمية، تركزت حول شخصية ديفيد بن غوريون، وحزب ماباي الذي انضم إلى حزب العمل عام 1968. لم يكن هناك شكّ في حصول هذا التيار على المركز الأول، وكانت التكهنات حول شكل التحالف القادم، وهل ستدخل ضمنه أحزابٌ دينية وقومية. ترهل اليسار الإسرائيلي وهو يمارس السلطة، الأمر الذي فتح بابا واسعا للفساد، ولم يستطع إفراز شخصيةٍ كبن غوريون لتقود التيار، ويحافظ على جماهيريته، فسقط اليسار في انتخابات 1977 لصالح مناحيم بيغن الذي قدّم نفسه في صورة "الصالح التقي". ومنذ ذلك الوقت، واليسار يترنّح، ولم يتمكّن حدثٌ بقوة اغتيال اسحق رابين في 1995 من أن يمدّه بأسباب القوة. وفشِل شيمون بيريز، ومن بعده إيهود باراك، في إعادة تكوين الجبهة التي حكمت إسرائيل ثلاثين سنة متواصلة.

ومنذ انتخابات 2003، لم يتجاوز حزب العمل حاجز العشرين مقعدا، بل ساءت نتائجه بطريقة بائسة، بحيث حصل في الانتخابات قبل الماضية على ثلاثة مقاعد فقط. ولكن يبدو أخيرا وكأن حزب العمل وحركة ميرتس قد تناولا منشّطات سياسية، ليرتفع عدد مقاعدهما معا من ستة مقاعد في الانتخابات الماضية إلى 12 مقعدا في هذه الانتخابات. وقد يبدو لمراقب متسّرع أن اليسار الإسرائيلي يمكن أن "يتعافى"، فيما لو استمر في "تعاطي" المنشط ذاته، لكن الحساب لا يجري هكذا، والأمر بحاجة إلى إلقاء نظرة شاملة على المشهد السياسي. فعليا، تنتج العملية الانتخابية في إسرائيل المفرزات السياسية ذاتها منذ حوالي عشرين سنة، بشكل يتوافق مع تاريخ الغزو الأميركي للعراق. تحرّك اليسار قليلا نحو اليمين، وتحرّك اليمين قليلا نحو اليسار بفروق سياسية بسيطة، بدت في طريقة إدارة المفاوضات مع العرب، والنظرة نحو حقوق الشعب الفلسطيني.

ونتيجة هذه التقاربات، نشأت أحزاب على شاكلة كاديما برئاسة أرييل شارون، وهو قائد عسكري سابق ومن رموز اليمين. تخلى عن الليكود ليشكل حزبه الخاص الذي تنطبق عليه شروط الانزياح المذكورة، وليأتي بعده كل من اسحق هيرتزوغ من "العمل" وتسيبي ليفني من "الليكود"، اللذين "فرّا" من حزبيهما وتحرّكا سياسيا نحو الوسط، ليشكلا حزب الاتحاد الصهيوني، فيحتل المركز الثاني في انتخابات 2015، ثم ليفسح المجال لـ "أزرق أبيض" المكون، هو الآخر، من خليط سياسي مشترك. نافست الأحزاب الجديدة "الليكود"، وهو فريق يميني مزمن، لم ينجُ من بعض تحولاتٍ موّهت قليلا تطرّفه الديني، لتجد فيه الطبقة الوسطى بديلا عن الأحزاب الملونة التي تندلع وتنطفئ بسرعة. وعلى رأس "الليكود" شخصية قوية "شريرة" من صنف بنيامين نتنياهو الذي استطاع أن يصمد، على الرغم من تلوثه بالفساد، فما زال الجمهور يجد فيه شيئا من ضالّته المفقودة.

بالاختفاء المعنوي سياسيا لمفهومي اليسار واليمين، تحولت الانتخابات الإسرائيلية، ومنذ عام 2003 وظهور يائير لبيد على رأس قائمة "هناك مستقبل" إلى تجاذبٍ شخصي مختزل حول شخصية نتنياهو، فالأحزاب والقوائم الانتخابية التي ظهرت تباعا منذ ذلك التاريخ، كان هدفها المعلن الأول هو التخلص من هذا الرجل الذي اعتبر وجوده المزمن في كرسي رئاسة الوزراء ورماً ينبغي استئصاله، ولكن ما حدث في الواقع أن الوجوه تبدّلت والتيارات تغيرت، وبقي نتنياهو ضمن قائمةٍ انتخابيةٍ تتجاوز الثلاثين مقعدا، تضعه في المركز الأول، وتجعله خيارا مفضلا ليكلَّف بتشكيل الحكومة. وتبدو الانتخابات التي عقدت الأسبوع الماضي، تحت العنوان نفسه، وهو التخلص من نتنياهو، بعيدة عن مفاهيم السياسة التي تتحرّك يمينا ويسارا، ونتنياهو ما زال في منصبه.