الفيديو القصير والمستقبل العربي

29 يناير 2021
الصورة

(Getty)

+ الخط -

عاماً بعد عام، يبدو أن عالم الفيديوهات القصيرة على الشبكة العنكبوتية يسحب البساط من تحت القنوات التلفزيونية الفضائية، بعد أن ملأت الأخيرة الدنيا وشغلت الناس نحو ربع قرن، إذ يستعيض كثيرون بتلك الفيديوهات التي يمكن تشغيلها في أي وقت، عن التسمّر أمام شاشات التلفزيون، ليس فقط لحضور فيديوهات ترفيهية أو معرفية، بل حتى لمشاهدة الأخبار العالمية، وحضور البرامج التلفزيونية التي يجري رفعها على مواقع الفيديوهات وتطبيقاتها، وفي مقدمتها موقع "يوتيوب" الشهير.
القنوات الترفيهية هي الأكثر شعبية في العالم العربي. يمكن لمراقبٍ، بكل بساطة، أن يستنتج ذلك من مقارنة أعداد متابعيها بغيرها من المتخصصة بالفكر أو العلوم مثلاً. لكن، على الرغم من ذلك، فقد أتاحت مواقع الفيديوهات هذه لأصوات عربية تقدم طروحاتٍ غير مسبوقة في مجالات الفكر والعلوم فرصة الظهور على الساحة، وهو أمر كان ولا يزال غائباً عن القنوات التلفزيونية، حتى التي تقدم الآراء المتعارضة سياسياً، إذ اعتادت التلفزيونات العربية، الحكومية والخاصة، الابتعاد عن المحرمات الفكرية في مجال الأديان مثلاً، ولم تتح لمشاهديها برامج حول تبسيط العلوم، وهما ملعبان يشهدان توسعاً على "يوتيوب" في السنوات الثلاث الأخيرة.
يمكن القول إذن إن مواقع الفيديوهات هذه تفتح المستقبل لإضافة جديد على صعيد المطالبة بالحرية والتغيير في العالم العربي، كما فعلت مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى، مثل فيسبوك وتويتر، التي كانت لها مساهمة لا تخطئها العين في إشعال ثورات الربيع العربي.

لا تتوقف إضاءة "المناطق المعتمة" عند جوانب الفكر والعلوم، بل تمتد إلى المواقع الاجتماعية والسياسية، بخاصة ذات الطابع الفكاهي

خذ مثلاً المعركة الحامية بين القنوات الدينية والقنوات اللادينية على "يوتيوب". ثمة طروحات ظلت ممنوعة ومحرّمة في عالمنا العربي حول الأفكار اللادينية، ترد عليها قنوات دينية تدافع عن الفهم الديني والاعتقاد الديني السائدين. واللافت أن معظم القائمين على هذه القنوات من الشباب العرب، مثل قناة هيثم طلعت وإياد قنيبي على الجانب الديني، وقنوات الآخر والنهضة الفكرية على الجانب اللاديني، تظهر فيها وجوه مثل سراج حياني ومستر احتمال وجورج بول وأحمد سامي وحسن البدري وآخرين. والمهم هنا أن الجدل بين هذه القنوات يستعمل الفيزياء والبيولوجيا كأحد مدخلاته الرئيسية، ولا يكتفي بالنقاش عن التاريخ أو الطروحات الدينية المجردة.
لا تتوقف إضاءة "المناطق المعتمة" عند جوانب الفكر والعلوم، بل تمتد إلى المواقع الاجتماعية والسياسية، بخاصة ذات الطابع الفكاهي. لقد كان التغيير مذهلاً في هذا المجال بفضل "يوتيوب"، ليس أدل على ذلك من أن برنامجاً مهماً يتابعه الملايين اليوم على التلفزيون العربي، هو "جو شو"، قد بدأ على "يوتيوب"، ثم انتقل إلى شاشة التلفزيون بفضل نجاحه في شد المتابعين، ولا يزال متابعوه كثيرين على قناة البرنامج على "يوتيوب"، حيث يمكن استعادته وحضوره في أي وقت. والأمر نفسه ينطبق على قنوات ساخرة أخرى، يقوم عليها شباب عرب بإمكانات بسيطة، تطرح رؤى سياسية واجتماعية باستعمال الكوميديا.
أخيرا طرح الكاتب حسام أبو حامد قناة على "يوتيوب" بالشراكة مع روان الجبر، ناقشت حلقاتها الأولى قضايا ثقافية تشترك فيها المجتمعات العربية، من قبيل احترام التنوع والتعدّد، وقبول الاختلاف، حيث يكتب أبو حامد "السكريبت" وتتولى الجبر تقديم الحلقة التي لا تخلو من روح الكوميديا والمقاطع الضاحكة. المميز في هذه القناة أنها تطرح القضية في قالب يجمع بين بساطة الشكل وعمق الفكرة وتكثيفها، ما يجعلها بعيدة عن الملل ومؤهلة للنجاح في جذب المتابعين سريعاً.

تعد مسألة التمويل من الجوانب الشائكة في شأن إنتاج الفيديوهات

تبقى مشكلة هذه القنوات العربية في ضعف إمكانات القائمين عليها. مثلاً، بالعودة إلى "جو شو" الذي يقدمه الشاب الموهوب، يوسف حسين، كان انتقاله إلى التلفزيون ضرورياً ليتوفر على إمكانات إنتاجية كبيرة. صحيح أن عدداً من هؤلاء الشباب العرب يبذلون جهداً كبيراً في الفيديوهات التي ينتجونها بإمكانات فردية، بخاصة في شأن المونتاج، ما يجعلها تؤدّي الهدف منها، كما أن جهات إنتاجية كبرى أطلقت قنوات خاصة على "يوتيوب"، وراحت تنتج برامج شباب عرب ناجحين، إلا أن تمكّن هذه القنوات الفردية من الحصول على تمويل كافٍ لتطوير إنتاجها سيكون ضرورياً من أجل الانتقال إلى المستقبل الذي نتحدّث عنه ونتوقعه.
وتعد مسألة التمويل من الجوانب الشائكة في شأن إنتاج الفيديوهات. مثلاً، في ساحة القنوات الفكرية والتصارع الديني اللاديني، يمكن، ببساطةٍ، لأي من الطرفين اتهام الطرف الآخر بأنه يقدم طروحاته من أجل التكسب المالي: اللادينيون يقولون إن الدينيين يغازلون السائد في المجتمع، بينما يقول الدينيون إن خصومهم يتاجرون باللادينية للحصول على دعم الذين يريدون إفساد الشباب العرب. هكذا يكون صعباً الحصول على تمويل من دون تلقي اتهامات تمس النيات، ويكون صعباً الاستمرار في إنتاج الفيديوهات من دون الحصول على تمويل!
وكحال كل مجالات العمل والإبداع، ثمّة دائماً دخلاء مدّعون غير موهوبين، لا يهمهم سوى التكسب. هؤلاء يفسدون أي ساحة يدخلونها، كما في الفنون والكتابة الإبداعية، وكما في الطب والتعليم، كذلك الحرف والمهن كافة. وجود هؤلاء في "يوتيوب" وعالم الفيديوهات لا بد أن يشوه هذه الصورة الجميلة التي ينفق فيها شباب موهوبون وقتهم وجهدهم ومالهم، تماماً كما شوّه وجود أمثالهم ماضي العرب القريب في السياسة والفكر والصحافة، وكما يفعل في حاضرنا، من دون أن يتمكن الجيد حتى اليوم من طرد الرديء. لكن الرهان هنا مختلف، فليس ثمّة جهات عليا ولا محسوبيات تقرّر من ينجح أو يبقى في "يوتيوب"، وهذا بالضبط ما يعزّز الأمل بمستقبل عربي أفضل.