العراق وبايدن ونبوءة التقسيم

العراق وبايدن ونبوءة التقسيم

10 نوفمبر 2020
الصورة

بايدن وسط جنود أميركيين في معسكر في بغداد (13/1/2011/فرانس برس)

+ الخط -

حسم الناخب الأميركي أمره باتجاه انتخاب ساكن جديد للبيت الأبيض، ديمقراطي هذه المرّة، ليطوي بذلك صفحة أربع سنوات عجاف قضاها الأميركي، ومن خلفه العالم، تحت ظل شجرة ترامب التي ما كانت وارفة، بل كانت نافضة أوراقها واحدة بعد أخرى، فما كادت سنواتها الأربع تنقضي؛ حتى انفض عنها الناخب الأميركي، وقد شعر بأن بلاده تستحق رئيساً أفضل.
الديمقراطي الذي بات يقف على أبواب البيت الأبيض بانتظار الدخول، جو بايدن، سيكون مطالباً بتغييراتٍ عدة، ليس على مستوى السياسة الأميركية العامة، داخلية أم خارجية، فتلك لعمري من ثوابت دولة المؤسسات. ولكن سيقع على عاتقه ترتيب وإعادة تشكيل صورة أميركا التي اهتزت كثيراً بفعل تصرّفات رئيسٍ؛ لو قيض له البقاء أربعة أخرى من السنوات، لكان أدخل أعظم دولة في أتون فوضاه التي لا تنتهي، فترامب أقل بكثير من أن يحكم دولةً بقدرة الولايات المتحدة.

عندما كان بايدن عضواً في مجلس الشيوخ عن ولاية ديلاوير عام 2006، اقترح خطة لتقسيم العراق إلى ثلاث مناطق ذات استقلال شبه ذاتي، شيعية وسنية وكردية

العراق الذي لم يدخل سباق الانتخابات الرئاسية الأميركية هذه المرّة سيكون له ملف دائم على طاولة الرئيس الجديد، الديمقراطي الذي صوّت على حرب العراق إبّان فترة رئاسة الجمهوري، جورج بوش الابن، إلا أنه غيّر رأيه بعد ذلك، ووجد في قرار الرئيس الديمقراطي، باراك أوباما؛ سحب القوات الأميركية من العراق، فرصة للتكفير عما يراه خطأ ارتكبه في ذلك التصويت. غير أن هذا الديمقراطي كان من دعاة تقسيم العراق، فعندما كان عضواً في مجلس الشيوخ عن ولاية ديلاوير عام 2006، يوم كانت القوات الأميركية تحترق بنيران المقاومة العراقية، ووصل عدد الهجمات اليومية على تلك القوات إلى قرابة الألف. يومذاك، اقترح بايدن خطة لتقسيم العراق إلى ثلاث مناطق ذات استقلال شبه ذاتي، شيعية وسنية وكردية. واعتبر أن هذا التقسيم يمكن أن يسمح للقوات الأميركية بمغادرة العراق بحلول عام 2008، وإلا سيدخل العراق دوامة عنف طائفي، يمكن أن تسهم في زعزعة استقرار المنطقة.
تحققت نبوءة بايدن، فبعدها بوقت قصير اندلعت حرب طائفية استمرت أكثر من عامين، يوم أن تم تفجير مرقد الإمام علي الهادي في سامراء، وما تبع ذلك من حربٍ طائفيةٍ أدّت إلى أن يقل تركيز المقاومة العراقية على المحتل الأميركي، ولندخل جميعنا نفقاً طائفياً، يبدو أنه أعدّ بشكل جيد من دهاقنة السياسة الأميركية، وربما من بينهم بايدن.

زار بايدن العراق 27 مرة، وهو على علاقة جيدة مع هذا الملف والفاعلين فيه من الساسة العراقيين

عموماً، يحمل القادم الجديد إرثاً في التعامل مع العراق ملفاً بقي ضاغطاً سنواتٍ على كل ساكني البيت الأبيض، فقد زار العراق 27 مرة، وهو على علاقة جيدة مع هذا الملف والفاعلين فيه من الساسة العراقيين. وبالتالي، من المتوقع أنه سيتعامل بطريقة ربما مختلفة عن سلفه الجمهوري ترامب، الذي وإن يفضّله عراقيون كثيرون سلاحا لتقليص النفوذ الإيراني في بلادهم، غير أن واقع الحال يفيد بأن حقبة ترامب شهدت أكبر تدخل إيراني في العراق، وصل إلى حد سيطرة مليشياتها على كل مفاصل البلاد، من دون أن تُقدم إدارة الجمهوري ترامب على فعل أي شيء، ما خلا التهديد بغلق السفارة الأميركية في بغداد، والتي تحوّلت، في عهده، إلى مرمى للتهديف الصاروخي من المليشيات الولائية التابعة لإيران.
على بايدن أن يعيد ترتيب الصورة، فعراق اليوم ليس العراق الذي دعا إلى تقسيمه إلى ثلاث مناطق شبه مستقلة، وعراق اليوم يعيش واحدة من أسوأ مراحله التاريخية، في ظل سيطرة شبه مطلقة لإيران على أغلب مفاصل البلاد، عبر وكلائها المحليين، سياسيين وعسكريين، أحزاب ومليشيات، فحتى الولايات المتحدة الأميركية التي جاءت بكل هذه الجوقة السياسية الحاكمة في عراق اليوم وجدت نفسها في لحظة فارقة، خارج الحسابات، فلا تملك أرضاً ولا نفوذاً، ولا حتى قدرة على التدخل في أي قرار سياسي.
الضغط الاقتصادي الهائل الذي قام به ترامب على إيران حوّلها إلى خيارات التوسع في نفوذها داخل العراق، فكان أن أفقرت الميزانية العراقية التي أثبتت تقارير دولية أن لإيران أكثر من طريق وطريق مارسته من أجل ديمومة اقتصادها عبر العراق، وعبر منافذ عراقية عدة، وصل بعضها إلى درجة بيع نفط إيراني عبر العراق، ناهيك طبعاً عن عمليات الحصول على العملة الصعبة عبر العراق، وغيرها الكثير الكثير من الأساليب الإيرانية للتحايل على تلك العقوبات عبر حديقتها الخلفية، العراق.

عراق اليوم ليس العراق الذي دعا بايدن إلى تقسيمه. فهو  يعيش واحدة من أسوأ مراحله التاريخية، في ظل سيطرة شبه مطلقة لإيران على أغلب مفاصل البلاد

لا يبدو أن بايدن يرغب في السير على منوال سلفه ترامب في التعامل مع العراق أو إيران، بعد أن تحولا إلى ملف واحد، هذا يؤثر على ذاك وبالعكس. سيحاول عقد اتفاق جديد مع إيران، قد يفضي إلى العودة إلى الاتفاق النووي بشروط، قد تكون نفسها التي طالب بها ترامب، غير أن تعنت إيران، وعدم رغبتها في التنازل؛ أخّرا موافقتها إلى حين وصول رئيس جديد. وفي حال تم التوافق الأميركي الإيراني على عودة مشروطة إلى الاتفاق، فسيكون ذلك مقابل استحقاقاتٍ على إيران تسديدها، منها تقليص نفوذها في العراق، خصوصا أن هذا البلد سيكون بانتظار استحقاق انتخابي في يونيو/حزيران المقبل. فأميركا ما بعد ترامب ترغب في إعادة مصالحها في العراق التي تضررت كثيراً بسبب النفوذ الإيراني الذي كان يرفض أي وجود أميركي في العراق، خصوصا بعد مقتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، الجنرال قاسم سليماني، مطلع العام الجاري (2020) قرب مطار بغداد، وأيضاً بسبب السياسات الأميركية، خصوصا في فترة ترامب الذي كان كثير التهديد قليل الفعل، وكثيراً ما أبدى رغبته في التخلص من العراق ووجعه المزمن.
نعم، بايدن هو صاحب نظرية تقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم شبه مستقلة، لكنه قد لا يكون متحمّساً لها هذه المرة، خصوصا وأن مصالح الولايات المتحدة تبدو، حتى اللحظة، مع عراق واحد، ولكن ذلك لا يمنع أن أي اعتراض إيراني على فتح المجال أمام الوجود الأميركي قد يدفع باتجاه تجديد تلك الدعوة البايدنية القديمة، والتي قد تعزّز طموحات بعض الساسة في العراق ممن باتوا يتحدّثون علناً عن ضرورة إقامة الأقاليم الفيدرالية على أسس طائفية وعرقية، فهل يعجّل بايدن برؤية تلك الأقاليم، أم أن لصراع النفوذ الإيراني الأميركي رأيا آخر؟